آخره: ... سورةُ الناس، مقصودُها الاعتصامُ بالإله الحقّ من شرّ الخلق الباطن، واسمها دالٌّ على ذلك لأن الإنسان مطبوعٌ على الشرِّ، وأكثر شرِّهِ بالْمَكْرِ والْخِداعِ، وأحسن من هذا: أنها للاستعاذة من الشرِّ الباطِنِ المأنوسِ به الْمُسترْوَحِ إليه، فإنَّ الوسوسةَ لا تكون إلّا بِما يُشتَهَى، والناسُ مُشتقٌّ من الأنس، فإن أصْلَهُ أناسٌ، وهو أيضا اضطرابُ الباطنِ الْمُشيرِ إليه، الاشتقاق من النوس، فطابق حينئذٍ الاسمُ الْمُسمَّى، ومقصودُ هذه السورة معلولٌ لمقصودِ الفاتحةِ الذي هو المراقبة، وهي شاملةٌ لجميع عُلومِ القرآن التي هي مُصادَقَةُ اللهِ ومُعاداةُ الشيطانِ ببراعةِ الْخِتامِ وفذلكةِ النظامِ، كما أنَّ الفاتحةَ شامِلةٌ لذلك لأنها براعةُ الاستهلال، ورِعايةُ الجلالِ والْجَمالِ، فقد اتصلَ الآخِرُ بالأوَّلِ اتِّصالَ العِلَّةِ بالمعلولِ، والدليلِ بالمدلُوْلِ، والمثلِ بالممثولِ، والله المسؤولُ في تيسير السؤول، وتحقيق المأمول، فإنه الجواد ذو الطول، وبه يُستعانُ، وعليه التكلان ...