فهرس الكتاب
- 📄
فكف أيضًا عما لا يتيقن تحريمه ويسمى ذلك تقوى، إذ التقوى أن يترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، وقد يحمله على أن يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس. وهو الصدق في التقوى، فإذا انضم إليه التجرد للخدمة فصار لا يبني ما لا يسكنه ولا يجمع ما لا يأكله ولا يلتفت إلى دنيا يعلم أنها تفارقه ولا يصرف إلى غير الله تعالى نفسًا من أنفاسه فهو الصدق، وصاحبه جدير بأن يسمى صديقًا ويدخل في الصدق التقوى، ويدخل في التقوى الورع، ويدخل في الورع العفة فإنها عبارة عن الامتناع عن مقتضى الشهوات خاصة، فإذن الخوف يؤثر في الجوارح بالكف والإقدام ويتجدد له بسبب الكف اسم العفة وهو كف عن مقتضى الشهوة وأعلى منه الورع فإنه أعم لأنه كف عن كل محظور، وأعلى منه التقوى فإنه اسم للكف عن المحظور والشبهة جميعًا، ووراء اسم الصديق والمقرب [1] .
عن يحيى بن الفضل قال سمعت بعض من يذكر عن محمد بن المنكدر أنه بينما هو ذات ليلة قائم يصلي إذ استبكى فكثر بكاؤه ففزع له أهله، فسألوه ما الذي أبكاك؟ فاستعجم عليهم، فتمادى في البكاء، فأرسلوا
(1) الإحياء: 4/ 164.