فهرس الكتاب
لا أحب أن أكون كاذبا ولا حانثا. قلت: وما يمنعك من الوفاء؟ قال: يمنعني منه أنني رجل شقي، لاحظ لي في سعادة السعداء، قلت: قد استطعت أن تكون شقيا، فلم لا تستطيع أن تكون سعيدا؟ قال: لأن السعادة سماء والشقاء أرض، والنزول إلى الأرض أسهل من الصعود إلى السماء، وقد زلت قدمي عن حافة الهوة فلا قدرة لي على الاستمساك حتى أبلغ قرارتها، وشربت أول جرعة من جرعات الحياة المريرة، فلا بد لي أن أشربها حتى ثمالتها ولا شيء من الأشياء يستطيع أن يقف في سبيلي إلا شيء واحد فقط، وهو أن لا أكون قد شربت الكأس الأول قبل اليوم، وما دمت قد فعلت فلا حيلة لي، قلت: ليس بينك وبين النزوع إلا عزمة صادقة تعزمها فإذا أنت من الناجين، قال: إن العزيمة أثر من آثار الإرادة, وقد أصبحت رجلًا مغلوبًا على أمري لا إرادة لي ولا اختيار، فدعني يا صديقي والقضاء يصنع بي ما يشاء، وابك صديقك القديم منذ اليوم إن كنت لا ترى بأسًا في البكاء على الساقطين المذنبين.
ثم انفجر باكيًا بصوت عالٍ, وتركني مكاني دون أَن يحييني بكلمة, وخرج هائمًا على وجهه لا أعلم أين ذهب, فانصرفت لشأْني وبين جنبي من الهم والكمد ما الله به عليم لم يستطع رئيس الديوان أن يتحمل نديمه بالأمس زمنًا طويلًا فأقصاه عن مجلسه استثقالًا له ثم