فهرس الكتاب
عزله عن وظيفته استنكارًا لعمله، ولم تذرف عينه دمعة واحدة على منظر صريعه الساقط بين يديه، ولم يستطع مالك البيت الجديد أن يمهل فيه المالك القديم أكثر من بضعة أشهر ثم طرده منه، فلجأ هو وزوجته وولداه إلى غرفة حقيرة في بيت قديم في زقاق مهجور، فأصبحت لا أراه بعد ذلك إلا ذاهبا إلى الحانة أو عائدا منها، فإن رأيته ذاهبا زويت وجهي عنه، أو عائدا دنوت منه، فمسحت عن وجهه ما لصق به من التراب، أو عن جبينه ما سال منه من الدم، ثم قدته إلى بيته.
وهكذا .. ما زالت الأيام والأعوام تأخذ من جسم الرجل ومن عقله حتى أصبح من يراه يرى ظلا من الظلال المتنقلة، أو حلما من الأحلام السارية، يمشي في طريقه مشية الذاهل المشدوه لا يكاد يشعر بشيء مما حوله، ولا يتقي ما يتعرض سبيله حتى يدانيه، ويقف حينا بعد حين فيدور بعينه حول نفسه كأنما يفتش عن شيء أضاعه وليس في يده شيء يضيع، أو يقلب نظره في أثوابه وما في أثوابه غير الرقاع والخروق، وينظر إلى كل وجه يقابله نظرة شزراء كأنما يستقبل عدوا بغيضا وليس له عدو ولا صديق، وربما تعلق بعض الصبيان بعاتقه فدفعهم عنه بيده دفعا لينا غير آبه ولا محتفل، كما يدفع النائم المستغرق عن عاتقه يد موقظه، حتى إذا خلا