فهرس الكتاب
جوفه من الخمر وهدأت ثورتها في رأسه، انحدر إلى الحان فلا يزال يشرب ويتزايد حتى يعود إلى ما كان عليه.
ولم يزل هذا شأنه حتى حدثت منذ بضعة أشهر الحادثة الآتية: عجزت تلك الزوجة المسكينة أن تجد سبيلًا إلى القوت، وأبكاها أن ترى ولدها وابنتها باكين بين يديها تنطق دموعها بما يصمت عنه لسانها، فلم تر لها بدا من أن تركب تلك السبيل التي يركبها كل مضطر عديم فأرسلتهما خادمين في بعض البيوت يقتاتان فيها ويقيتانها، فكانت لا تراهما إلا قليلا ولا ترى زوجها إلا في الليلة التي تغفل فيها عنه عيون الشرطة، وقلما تغفل عنه، فأصبحت وحيدة في غرفتها لا مؤنس لها، ولا معين إلا جارة عجوز تختلف إليها من حين إلى حين، فإذا فارقتها جارتها وخلت بنفسها ذكرت تلك الأيام السعيدة التي كانت تنقلب فيها في أعطاف العيش الناعم والنعمة السابغة بين زوج كريم وأولاد كالكواكب الزهر حسنا وبهاء، ثم تذكر كيف أصبح السيد مسودا، والمخدوم خادما، والعزيز الكريم ذليلا مهينا، وكيف انتشر ذلك العقد اللؤلؤي المنظوم الذي كان حلية بديعة في جيد الدهر، ثم استحال بعد انتثاره إلى حصيات منبوذات على سطح الغبراء تطؤها النعال وتدوسها الحوافر والأقدام.