فهرس الكتاب
فتبكي بكاء الواله في إثر قوم ظاعنين حتى تتلف نفسها أو تكاد، على أنها ما أضمرت قط في قلبها حقدا لذلك الإنسان الذي كان سببا في شقائها وشقاء وليديها، ولا حدثتها نفسها يوما من الأيام بمغاضبته أو هجرانه؛ لأنها امرأة شريفة، والمرأة الشريفة لا تغدر بزوجها المنكوب، بل كانت تنظر إليه نظرة الأم الحنون إلى طفلها الصغير فترحمه وتعطف عليه وتسهر بجانبه إن كان مريضا، وتأسو جراحه إن عاد جريحا، وربما طرده الخمار في بعض لياليه من حانه حينما لا يجد معه ثمن الشراب فيعود إلى بيته ثائرًا مهتاجًا يطلب الشراب طلبًا شديدًا، فلا تجد بدا من أن تعطيه نفقة طعامها أو تبتاع له من الخمر ما يسكن به نفسه رحمة به وإبقاء على تلك البقية من عقله.
وكأن القدر أراد أن يضع عليها ثقلا جديدا إضافة إلى ما على عاتقها المنهك بالأثقال، فقد شعرت في يوم من أيامها بنسمة تتحرك في أحشائها فعلمت أنها حامل وأنها ستأتي إلى دار الشقاء بشقي جديد فهتفت صارخة: رحمتك اللهم فقد امتلأت الكأس حتى ما تسع قطرة واحدة. وما زالت تكابد من آلام الحمل ما يجب أن تكابده امرأة مريضة منكوبة حتى جاءت ساعة وضعها فلم يحضرها أحد إلا جارتها العجوز فأعانها الله على أمرها فوضعت ثم مرضت بعد ذلك بحمى النفاس مرضا