فهرس الكتاب
[غافر: 39] ..
العمر قصير والسفر طويل والزاد قليل، والخطر محدق وكبير، والمرء بين حالين: حال قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل قد بَقِيَ لا يدري ما الله قاضٍ فيه.
وإذا كان الأمر كذلك أخي الحبيب، فعلى صاحب البصر النافذ أن يتزوَّد من نفسه لنفسه، ومن حياته لموته، ومن شبابه لِهِرَمِه، ومن صحَّته لمرضه، ومن فراغه لشغله، ومن غناه لفقره، فما بعد الموت من مُستعتَب، ولا بعد الدنيا سِوَى الجنة أو النار، ومن أصلح ما بينه وبين ربِّه كفاه ما بينه وبين الناس، من صدق في سريرته حسنت علانيته ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه، فلا بدَّ من وقفةٍ للمحاسبة، والمحاسبة الصادقة هي ما أورقت عملًا، فعليك يا عبد الله أن تستدرك ما فات بما بَقِيَ، فتعيش ساعتك ويومك، ولا تشتغل بالندم والتحسُّر من غير عمل، واعلم أنَّ من أصلح ما بَقِيَ غُفِر له ما مَضَى، ومن أساء فيما بَقِيَ أُخِذَ بما مضى وبما بَقِيَ، والموت يأتيك بغتة، فأعطٍ كلَّ لحظة وكلَّ نفس قيمته، فالأيام مطايا، والأنفاس خطوات، والصالحات هي رؤوس الأموال، والربح جنات عدن والخسارة نارٌ تلظَّى، لا يصلاها إلا الأشقى، وأنت حسيب نفسك.