فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 14

من خاض الماء الغمر لم يخل من بلل، ومن دخل بين الصفين في القتال لم يخل من وجل، وهل ينتظر - يا عباد الله - من الصحيح إلا السقم، ومن الصغير إلا الهرم، ومن الموجود إلا الموت والعدم، وايم الله لو لم تكن الدنيا دار ابتلاء لما ابتلى الله فيها أكرم الخلق، الأنبياء؛ فهذا آدم يعاني الألم والمحن إلى أن خرج من الدنيا، وهذا نوح يعاني الكثير، ويبكي كثيرًا من الزمن، وهذا إبراهيم يكابد النار وذَبْح ابنه إسماعيل، وهذا موسى يقاسي عناء وظلم فرعون وقومه، وهذا عيسى يتنقل بين البراري والديار لا مأوى ولا قرار له، وزكريا ذُبح، ويحيى قُتل، حتى قال شملة ابن عطية: لقد ذُبح على صخرة ببيت المقدس سبعون نبيًا كان منهم يحيى - عليه السلام - ولا غرو، فما جعلهم الله أئمة إلا بعد الابتلاء، {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [1] .

أما محمد نبي الهدى والرحمة، وخاتم النبيين، وصفوة الخلق أجمعين، بأبي هو وأمي، والذي كان يدعو ربه دائمًا: «اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين» ، كم عانى وعانى! فقد عاش يتيمًا، وأُخرج من أحب البلاد إليه، مكة، يبيت

(1) سورة السجدة، الآية: (24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت