فهرس الكتاب
ومن حديثك في أعقابها حادي
رفع رأسه فجأة إذ سمع ضحكة عالية أطلقتها شقيقته ذات الأعوام الأربع، والتي أقبلت بمرحها الطفولي والبراءة تتلألأ في عينيها العسليين. أطلق ما في يده وجذبها إليه ليضمها إلى صدره؛ فأزاحته بيديها الصغيرتين وهي تحملق في وجهه باستغراب، ثم سألته ببراءتها المعهودة متحسسة رأسه:
أحمد .. أين شعرك؟!
عادت الأم تحمل بإحدى يديها كأسًا من العصير الطازج، وفي اليد الأخرى طبقًا من الكعك المشكل .. وضعتها أمامه قائلة: لعل هذا أشهى إلى نفسك يا ولدي.
تناول كأس العصير ولسانه يلهج بالدعاء وكلمات الشكر لوالدته التي وقفت تنظر إليه بسرور.
ارتفع رنين الهاتف من الغرفة المجاورة فأسرعت للرد عليه، كانت المتصلة إحدى جاراتها القديمات .. دارت بينهما أحاديث طويلة .. أخبار اليوم والأمس .. والغد!! أنباء كثيرة كلها تبثها تلك المرأة كل صباح، إما عن طريق الهاتف أو عن طريق جلسات الضحى .. كانت أمه كثيرًا ما تركن إليها وتسعد بمحادثتها؛ لتمتص آلامها وتسد الفراغ الذي يخلفه زوجها بسبب تشنجه وتسلطه وكثرة أسفاره.