فهرس الكتاب
قال ابن رجب (رحمه الله) : «وإنما فُضلت صلاة الليل على صلاة النهار؛ لأنها أبلغ في الإسرار، وأقرب إلى الإخلاص، كان السلف يجتهدون على إخفاء تهجدهم، قال الحسن: كان الرجل يكون عنده زواره فيقوم من الليل يصلي لا يعلم به زواره، وكانوا يجتهدون في الدعاء، ولا يسمع لهم صوت، وكان الرجل ينام مع امرأته على وسادة فيبكي طول ليلته، وهي لا تشعر، وكان محمد بن واسع يصلي في طريق الحج طول ليله، ويأمر حاديه أن يرفع صوته ليشغل الناس عنه، وكان بعضهم يقوم من وسط الليل، ولا يُدرى به، فإذا كان قرب طلوع الفجر رفع صوته بالقرآن يوهم أنه قام تلك الساعة.
ولأن صلاة الليل أشق على النفوس، فإن الليل محل النوم، والراحة من التعب بالنهار، فترك النوم مع ميل النفس إليه مجاهدة عظيمة، قال بعضهم: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس.
ولأن القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التدبر، فإنه تنقطع الشواغل بالليل ويحضر القلب ويتواطأ هو واللسان على الفهم، كما قال تعالى: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا