فهرس الكتاب
أولًا: الجبر والتفويض والواسطة بينهما كل هذه ألفاظ اخترعها أهل الكلام والأهواء للتضليل، ولجر المسلمين إلى الجدل العقيم، فإن الله أعدل وأرجم من أن يجبر أحدًا على فعل شيء أو تركه ثم يؤاخذه على ذلك، كما أنه أعز وأحكم من أن يفوض أمرًا إلى عباده؛ لأنها تعالى محل التفويض وبيده مقاليد الأمور. ولا يجوز لحد أن يدعي أنه مفوض من الله أو أن الله فوض إليه فعل شيء أو تركه؛ لأن التفويض المطلق صفة لا تليق بغير الله سبحانه وتعالى، قال تعالى حكاية عن العبد الصالح: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} وقال تعالى مخاطبًا نبيه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} وقال تعالى: {إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} . وقد سبق أن قلنا أنه9 لا ثالث للحالتين، ومن أراد أن يثبت خطأ قولنا هذا فليأت بدليل من الشرع.
ثانيًا: إن الحديث الذي نسبته إلى موسى الكاظم إن دل على شي فإنما يدل على حماقة قائله، وناقله، وراويه، والمستشهد به، إذ كيف يليق بصاحب العصمة أن يصنف المعصية إلى ثلاثة أصناف فينسب على الله بعضها، ويجله شريكًا لعبده في البعض الآخر، وهل هذه القول يؤيد رأيكم في عصمته، أم يؤيد رأينا في السخرية منكم، ومن مخترعاتكم المضحكة؟
ثالثًا: وقريب من الحديث المروي عن علي بن موسى الرضا، وفيه من فنون المراوغة والروغان ما لا يجيده إلا أبطال السيرك أو محترفوا الشعوذة والدجل. فإن المفروض أن تكون إجابته للسائل هكذا: (من زعم أن العبد مجبر على فعل التكاليف أو تركها فقد أخطا، ومن زعم أنه مفورض بذلك فقد أخطأ) . أو ما يشبه هذا الجواب، ولكن إجابته كانت هكذا: (من زعم أن الله يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها فقد قال بالجبر. ومن قال إن الله سبحانه فوض أمر الخلق والرزق إلى حججه فقد قال بالتفويض، والقائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك) إلخ.