فهرس الكتاب
ولا أدري لماذا أقحم الحجج في الجواب على سؤال لا يشير إلى الحجج من قريب أو بعيد، إذ أن الإشكال الذي يراد رفعه هو الجبر والتفويض على أفعال العباد لا في أفعال الحجج. فأي حجة تقوم لمن قوله حجة عليه، وسبحان من له في خلقه شؤون.
رابعًا: إن كل ما أوردته من تقسيم لإرادة الله إلى تشريعية وتكوينية وتفسيرك لكل منهما إنما هو حجة عليك، فهو إن صح إنما ينقض أصلًا هامًا من أصولكم وهو دعوى العصمة، والاستدلال عليها بقول الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} .
وقد سبق أن قلنا إن إرادة الله في هذه الآية الكريمة إنما تشير إلى النتائج المترتبة على امتثال أوامره واجتناب نواهيه.
ومعناها: إنما يريد الله بإرشادكم وتعليمكم أن يذهب عنكم الرجس ويطهركم تطهيرًا. وذهاب الرجس والتطهير مشروط بامتثال ما سبق في الآية الكريمة من الأوامر والزواجر، فغن كنت صادقًا في تفسيرك الإرادة التشريعية فنحن إلى الصدق في تفسير هذه الآية الكريمة أقرب، وإن كنت مخطئًا فقد أخطأت وحدك، لأننا فسرنا القرآن بالقرآن، أما أنت فقد فسرت ما أوحى به إليك عقلك بما أدى إليه جهلك.
خامسًا: أما رأينا في قاعدة العدل وشبهة الجبر والتفويض فهو كما يلي:
إننا نؤمن بأن الله عدل حكيم، لا يظلم أحدًا بل أنه حرم الظلم على نفسه، وما حرمه على نفسه فلن يقع منه كما نؤمن بأن للعبد مشيئة محدودة لا يملك معها إلا الاختيار، وبهذه المشيئة يتحدد سلوك الإنسان وتتعلق مسؤولياته حيث (لا جبر ولا تفويض ولا أمر بين بين) ، وإنما اختيار غير مقيد إلا بقانون الوجود العام، ولا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها.
أما الآيات القرآنية التي يظن أنها تشعر بالجبر في الهداية أو الإضلال فإنها لا تدل على الجبر، وإنما تدل على اللطف والتسديد والإلهام فيما يشير إلى الهداية، وعلى الخذلان ولا راد لفضله، ولا يسأل عما يفعل).