فهرس الكتاب
ومات رجل آخر في غزوة فقال الصحابة هنيئًا له الشهادة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"كلا؛ والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا" [1] .
فها قد رأيت الأمر التبس على الصحابة حتى ظنوا ولاية رجلين حكم عليهما النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنهما من أصحاب النار. مع أن الصحابة أعظم أولياء الله بعد الأنبياء. لكنهم بشر لا يعلمون الغيب، فقد يبدو الرجل في ظاهره وليًا ويكون في الباطن فاسد النية، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -"إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وإنه من أهل النار".
ولما أثنى بعضهم على أبي بكر قال"اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون".
هذا هو المنهج الإسلامي الذي صُرِف عنه كثيرون واستغل جماعة من أهل البدع والخرافة جهل الناس حتى استدرجوهم إلى كل بدعة وشرك. وأفهموهم أن الولي صاحب اللحية البيضاء والعباءة السوداء، يتمتم بالأوراد ويلتف بالسبحة والناس يقبلون يديه ورجليه. ويأخذون عنه طرق البدع.
وما اتخذ الله وليًا جاهلًا مبتدعًا في الدين، وإنما أولياؤه الموافقون لكتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - .
بينما يستبعدون في نفس الوقت ولاية من لا يأبهون له، ويكون عند الله وليًا وهو من عامة الناس، ربما كان نجارًا أو خبازًا أو زبالًا. ويستحق صفة الولي دون الآخرين الذين ينكب الناس على أيديهم وأرجلهم لتقبيلها.
ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -"رُبَّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب (لا يؤبَه له) :لو أقسم على الله لأبرَّه" [2] . ومعنى الحديث: أن من الناس من يكون جعد الشعر مغبر الجسد لا قيمة له عند الناس، وربما طردوه من أبواب بيوتهم لحقارته عندهم: ويكون عند الله من أوليائه وأحبابه، بل لو حلف على الله بشيء لأجابه الله إليه إكرامًا له:
(1) رواه البخاري 6707 .
(2) رواه مسلم 2622 .