الصفحة 117 من 239

وإن من أعظم ما تزل به الألسنة: الحكم على الناس بفسق أو كفر أو زندقة لا سيما الاتهام بالنفاق. فإن الأصل في المسلم الظاهر العدالة بقاء إسلامه وبقاء عدالته وحسن الظن به حتى يتحقق عكس ذلك. ومن الوسوسة اعتقاد أن الأصل فيه الشك حتى يتبين إسلامه. ولنأخذ العبرة فيما وقع لأسامة بن زيد رضي الله عنه إذ قال [1] "بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سرية فأدركت رجلًا، فقال"لا إله إلا الله"فطعنته. فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال"يا أسامة: أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ فقلت: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح. قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟". وينبغي أن تكون حادثة أسامة بن زيد درسًا عظيمًا لكل مسلم."

ومن العجب أن من الناس من يتحفظون من أكل الربا والحرام ومن الزنا وشرب الخمر: ولا يتحفظون من التمادي في غيبة إخوانهم المسلمين أحياء وأمواتًا والطعن فيهم تفسيقًا بل وتكفيرًا. وهم لا يدرون أن فعلهم هذا من أربى الربا كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - [2] "أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم"وفي رواية"أربى الربا شتم الأعراض".

وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن"الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا تهوي به في النار سبعين خريفًا" [3] فقد يستصغر المرء كلمة وتكون عند الله عظيمة كما قال تعالى {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} والعجب أن هذا المتكلم إنما امتنع من تعاطي الربا ومن النظر إلى النساء خوفًا من أن يهوي في النار"."

ما يترتب على تكفير المسلم

(1) رواه البخاري رقم (4269) .

(2) سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (1433) .

(3) متفق عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت