الصفحة 133 من 239

ـ والحديث يفيد أن بعض الصحابة الذين لم يتعلموا كل أمور التوحيد طلبوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأذن لهم في تعليق سيوفهم عند الشجرة تبركًا بها على النحو الذي يفعله المشركون، فلم يحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنهم كفروا بذلك ولم يأمرهم بتجديد إسلامهم وتجديد عقود زواجهم، بل حذرهم بأن قولهم هذا شبيه بقول بني إسرائيل لموسى، غير أنه عذرهم بجهلهم وأخبرهم أن ما سألوه هو الكفر بعينه. فحكم بكفر قولهم ولم يحكم عليهم بأنهم كفروا.

ومن هنا قال أهل العلم: قد يقول المسلم كفرًا. وقد يحكمون على الأمر بأنه كفر ولا يحكمون بأن كل من وقع منه هذا الأمر يكون خارجًا عن الملة لأن شرط ذلك ألا يكون له عذر مقبول. ولذلك يقولون: من قال كذا فهو كافر لكن الشخص المعين لا يُحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة. لأن المسلم قد يقول كفرًا ومع ذلك لا تقوم به صفة الكفر حتى تقوم عليه الحجة.

وعلي رضي الله عنه لم يحكم بكفر الخوارج. ولما سئل عنهم: هل هم كفار؟ قال: هم من الكفر فرّوا. فقيل له: هل هم منافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلًا، وهؤلاء يذكرون الله صباح مساء، وإنما هم إخواننا بغوا علينا" [1] ."

ـ وكان السلف كأحمد وغيره يكفّرون الجهمية لكنهم لم يكونوا يكفّرون أعيانهم، وذلك بالنظر إلى التفريق بين من يدعو إلى القول وبين من يقول به. فإن الداعي إلى القول أعظم من الذي يقول به، وكان أحمد يدعو للمأمون ويترحم عليه مع أنه تبنى أقوال المعتزلة وألزم بها العلماء وعذب من لم يوافقها.

(1) رواه البيهقي في السنن 8/173 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت