الصفحة 46 من 239

ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يأذن في أول الأمر بكتابة وتدوين أقواله وذلك خشية أن يختلط كلامه بالقرآن. ولذلك رووا عنه أنه قال"لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار [1] ."

وهذا النهي عن الكتابة إنما كان في أول الأمر، فلما وعت قلوب الصحابة القرآن وحفظته الصدور أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتابة حديثه. قال أبو هريرة"ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من [عبد الله] بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب [2] ."

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب على المنبر فاستأذنه رجل اسمه أبو شاه أن يكتب حديثه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أكتبوا لأبي شاه [3] .

التثبت من رواية الحديث

كان الحديث في عصر الصحابة يُكتب ولا يشترط تبيين سنده. غير أنه لما انتشر الإسلام في البلاد ودخل الناس في دين الله أفواجًا حدثت بعض البدع الفكرية كفرق القدرية والجبرية والمتصوفة والفلاسفة، ونشأت فرق متناقضة منها ما يدعو إلى الغلو في الأشخاص كالشيعة ومنها ما يدعو إلى الغلو في الزهد والتوكل والتخلي عن المال والأهل والولد.

وظهر الكذب في الحديث حتى صارت كل طائفة تختلق من الحديث ما يوافق آراءها وبدعتها. حينئذ اتخذ الصحابة ومن بعدهم موقفًا حازمًا من هذه الفوضى في الحديث. ونشأ ما يسمى بعلم التراجم والمعروف بعلم الجرح والتعديل وهو علم يدرس ويتابع أحوال رواة الحديث ومدى صدقهم وأمانتهم في رواية الحديث وأخلاقهم ومتابعتهم للسنة والزمن الذي عاشوا فيه ومكان وجودهم وحتى أسماء آبائهم وأبنائهم ومشايخهم وتلاميذهم.

(1) رواه مسلم رقم (3004) .

(2) رواه البخاري (113) والترمذي (2670) .

(3) البخاري (112) أبو داود (455) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت