الصفحة 48 من 239

وقد عني كثير من علماء الحديث بجمع الأحاديث الموضوعة في مصنفات خاصة مع بيان الحكم عليها بالوضع بغية تحذير الناس منها. وجاء هذا التحري وهذه الدقة عملًا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع [1] وقال الشافعي"مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى وهو لا يدري" [2] . وكان هو وغيره من الأئمة يقولون الحديث الصحيح مذهبنا غير أن الناس خرجوا عن مذهبهم حين صار قول الرجال هو المذهب وإن خالف الحديث الصحيح الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . ثم جاء بعدهم من جعل هذا الذي نهوا عنه واجبًا.

قد حفظ الله بهذا الإسناد سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقيد لها نقادًا حفاظًا لم يعرف العالم لهم مثيلًا في سعة حفظهم حتى بلغ الحفظ ببعضهم إلى مليون حديث بأسانيدها ومتونها.

ـ لقد وضعوا القواعد العلمية لقبول الحديث وهي أصح القواعد للإثبات التاريخي وأعلاها دقة. فجدير بالأمة بعد هذا أن تعود إلى النهج الأول فتتثبت من الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا تحدث بما تسمعه إلا بعد التوثق من صحته.

فمن قال: (قال رسول الله) فعليه أن يتأكد: هل قاله رسول الله حقًا؟

ومن أراد التبليغ فليحذر أن يكون التبليغ تبليغًا عمن كذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس تبليغًا عنه - صلى الله عليه وسلم - . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"من حدّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين [3] وقال: من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".

لقد تساهل كثيرون في رواية الحديث، ورغب أكثر مصنفي الكتب الإسلامية عن بيان درجة الحديث. بل قد يروون الحديث الموضوع والمكذوب، ويكتفون بإحالته:

(1) رواه مسلم 1/10 في المقدمة وأبو داود ( 4992) .

(2) فيض القدير 1/433 .

(3) أي حكمه حكم الكاذب الأول الذي اختلق الحديث لمجرد روايته عنه حديثًا يعلم عدم صحته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت