الصفحة 95 من 239

ومن ثم ظنوا أن الولي صاحب المقام الوسيط بينهم وبين ربهم يسألون الله به بل ربما سألوه ما لا يجوز التوجه به إلا لله وحده. وطمأنتهم أهواؤهم إلى أنهم ما داموا يعتقدون أن الله هو الخالق وحده وأن عبادة الأصنام شرك وما داموا لا يسجدون للقبور وإنما يلجئون إليها طلبًا للشفاعة لهم عند الله فإنهم بعيدون عن الشرك. وغاب عنهم أن المشركين الأوائل ما كانوا يعتقدون بخالق آخر مع الله وإنما كانوا يسألون التصاوير التي بنوها على شكل الصالحين ليحصلوا بها على التقرب من الله. وقد سجل القرآن هذه الحقيقة فقال {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر 3] .

تعظيم القبور والغلو في الصالحين

أصل سبب الجاهلية الأولى

وهكذا وقع كثيرون في هذا الفخ الشيطاني لجهلهم بأول شرك تلبس فيه بنو أدم.

قال ابن عباس في تفسير هذه الآية {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح 23] "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوحٍ عليه السلام فلما ماتوا بنَوا لهم الصور والتماثيل."

وفي تفسير ابن جرير الطبري"أن يغوث ويعوق ونسرًا كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صوّرنا صُوَرهم كان أشوقَ لنا إلى العبادة، فصوّروهم: فلما ماتوا، وجاء آخرين: دبّ إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبِهِم يُسقَون المطر، فعبدوهم [1] ."

فمن هنا تعلم أن أصل فتن الشرك كانت في القبور، يفتن الشيطان بها الناس ويوحي إليهم بتعظيمها، والنفور ممن ينهى عن هذا الشرك واتهامه بأنه ينتقص من مقامات الصالحين. وهذا فساد في التوحيد وعودة إلى الجاهلية التي أنزل الله القرآن لإبطالها، وما علينا سوى تأمل هذه الآيات:

(1) تفسير الطبري مجلد 12 ج29 ص62 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت