فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 119

فإن كل ضرب من القروض يدل على الاعتلال في الدولة، وعلى النقص في فهم حقوق الدولة. فالقروض تُعَلَّق فوق رؤوس الحكّام كسيف ديموقليس. وبدلًا من أن يأخذوا المال من رعاياهم عن طريق فرض ضريبة مؤقتة، فإنهم يَمُدُّون أيديهم يستجدون مصارفنا. والقروض الأجنبية ما هي إلا عَلَقٌ لا ينفك يمتص حتى يشبع فيتساقط من نفسه، أو تنزعه الدولة نزعًا وترمي به. ولكن دول الغوييم أعجز من أن تنتزع العلق، فتلجأ إلى ما هو أيسر وأهون، فتداوي أمرها باستخدام المزيد من العلق أكثر فأكثر، حتى تجفّ عروقها بطبيعة الحال، وينتهي انسياب دمها كأنه من فصاد اختياري (كلاحس المبرد) .

وما هو القرض الداخلي الحقيقي؟ القرض هو إصدار الحكومات سندات على الخزانة تحتوي على التزام نسبة استهلاكية لمجموع رأس مال القرض. فإذا كان القرض مرتباَ له فائدة 5 بالمئة ففي عشرين سنة تظل الدولة تدفع من هذه الفائدة ما حكمه حكم العبث، حتى يوازي مجموعُ ما يدفع أصلَ القرض، وفي أربعين سنة تكون الدولة قد دفعت هذا مضاعفًا، وفي ستين سنة، يضاعف ثلاثًا، ومع هذا يبقى أصل القرض على حاله، دينًا على الخزانة.

يتضح من هذا، أن فرض الدولة ضريبةً على رعاياها تصيب كل فرد، مهما يكن أسلوب الضريبة، معناه امتصاص آخر درهم من جيوب دافعي الضرائب الفقراء لتسديد ديون الأثرياء الأجانب الذين منهم أتت القروض، بينما بوسع الدولة أن تجمع من المكلفين من رعاياها ما يلزم لحاجاتها دون أن يكون له فائدة إضافية.

وما دامت القروض قروضًا داخلية تتعاطاها أمم الغوييم، فغاية ما يحصل من المال أنه ينتقل من جيوب الفقراء إلى الأغنياء. ولكن عندما يُشترَى الرجلُ الذي يُعْهد إليه في تدبير القروض من الخارج، تسيل أموال الأمم إلى صناديقنا وخزائننا، وتسرع أمم الغوييم فتؤدي إلينا ضريبة الرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت