فهرس الكتاب
أما إخفاء الجريمة والذنب، والتواطؤ بين القائمين بالإدارة الحكومية، كل هذا الشر لن يكون له وجود، بعد أن تُنزِل العقوبات الصارمة بمن يستحقها في البداية، فتكون في ذلك عبرة كافية. وهالة سلطتنا المشعة بالنور، تقتضي هذا، أي العقوبات العنيفة على أقل الذنوب، لتظلًّ الهيبة القانونية على جلاها، لا تعلق بها شائبة. ومرتكب الذنب قد يلقى من الجزاء فوق ما يستحق، ومَثَلُه في ذلك مَثَلُ الجندي، لكن ميدانه العمل في الخدمة الإدارية لمصلحة الدولة، مبدأً وقانونًا، وقد يُوَلَّج أن يمسك بعنان المركبة العامة ويكون سائقها، فلا يجوز له أن ينحرف بها عن جادة الطريق، فتنزلق وتهوى بمن فيها، وما السبب في ذلك إلا ما في نفس السائق من غاية خاصة، ومثل ذلك يقال في القضاة: فقضاتنا سيعلمون أنهم إذا انحازوا بعامل الرحمة والشفقة، فيكونون بهذا قد خالفوا قانون العدالة، القانون الذي وضع لتقديس شخصية الفرد، عن طريق عقاب المجرم على ما ارتكبه من جرم، وليس موقف القاضي هنا أن يظهر ما في صدره من عاطفة حنان ورأفة، إذ هو هنا لإجراء الحكم فحسب، لا للميل إلى ما في نفسه. فإذا كان للقاضي عواطف وميول خاصة، فليمارس ذلك في شؤون حياته الخاصة، لا في ساحة القضاء، حيث القضية هنا هي تعليم وإرشاد لخير الحياة الإنسانية.