الصفحة 24 من 33

فعلي المرتضى من السابقين الأولين في الإسلام، وفيه قوة وشجاعة فاقت كل تصور، هذا بالإضافة إلى أنه اتصف نتيجة لصحبته لرسول الله ونتيجة لتربية رسول الله له عن قرب بالعزيمة والتضحية والفداء على طريق الحق، والشوق إلى الشهادة وغيرها من الصفات المثالية، مما يجعلنا لا نتصور أبدًا أن يتصف بالجبن أو الانحطاط أو الذل أو الخضوع، وقد جاء من بعده في الأمة رجال لا يخافون في الله لومة لائم، كانوا أعلامًا على طريق الجهاد، ومثالًا لأعظم جهاد عند الله كما يتجلى ذلك في (كلمة حق عن سلطان جائر) .

فهاهو الإمام أبو حنيفة يرفض الخضوع لأوامر وطلبات خليفة وقته، لأنه رأى في الأوامر مخالفة لأوامر الله، وخلافًا لما يؤمن به من حق، وفضل الذهاب إلى السجن وتحمل عذابه.

وهاهو الإمام مالك يعارض الحاكم العباسي في مسألة طلاق المكره ويتحمل ما أصابه من ضغط الحكومة والسلطة، فقد حمل على ظهر جمل كما كان يعل المجرمون، وذلك حتى يعرف الناس أن الحكومة لا ترحم أحدًا مهما كان مقامه÷ من يعارضها سينال نفس العاقبة، إلا أن الإمام مالك لم يتأثر بكل ما أصابه وكان يصيح قائلًا:

(من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس، أقول: طلاق المكروه ليس بشيء) .

وهاهو الإمام أحمد بن حنبل يرفض الانصياع إلى رأي خليفة وقته فيما يتعلق بمسألة خلق القرآن وتعرض الإمام لضرب السياط حتى خرجت الدماء من جسده، وبرغم هذا كله ظل يصيح: (القرآن كلام الله غير مخلوق) .

هذه أمثلة للقرون الأولى للإسلام، ففي كل زمان يظهر في الأمة أناس من أصحب العزيمة والاستقامة، يمكن أن نطالع سيرتهم في كتب التاريخ، وزماننا الحالي لا يخلو أيضًا من أمثال هؤلاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت