الصفحة 22 من 73

من ميزات هذا الشهر الفضيل تعليمه للمسلم اتخاذ القرار , مشكلة المشكلات عند الناس عدم اتخاذ القرارات , مشكلة المشكلات عدم اتخاذ القرارات. الإنسان القوي إنسان صاحب قرار , الإنسان الضعيف متردد , التردد لا ينشأ نفوسًا ضعيفة فحسب بل يأتي بأمراض سيكلوجية و سيكسوماتية أي أمراض نفسية وجسمانية. التردد يبدأ بسيطًا في اتخاذ قرارات صغيرة ثم يكبر مع البرمجة والعادة وأغلب أمور حياتنا تعتمد على قرارات بسيطة و صغيرة , فكل ثانية تمر في حياتنا فيها مجموعة قرارات , حركات يدك ورجلك ودقات قلبك وهضم معدتك ودوران دورتك الدموية ودفاع خلاياك الجسمانية وغير ذلك , كل ذلك قرارات يتخذها العقل بوعي أو بغير وعي في الدقيقة بل والثانية الواحدة بل وجزء من الثانية , تصور تردد في مثل هذه القرارات , إن ذلك يعني مشاكل كثيرة صحية ونفسية.

فمن المشاكل الصحية عدم انتظام دقات القلب وبالتالي أمراض قلبية وهضمية ودموية , ذلك أن القلب يعيد ضخ الدم إلى الجسم كله وقد يتسبب التردد في تردد الخلايا الدفاعية عن القيام بمهمتها على وجهًا الصحيح فتتردد في مواجهة الالتهابات والسرطانات وفيروسات وفي ذلك خطر عظيم. على أية حال أنا أريد أن أقتصر في هذه العجالة على الأثر النفسي فقط للحصول على دقة في التغيير وإلا فيمكن لأخي المستمع وأختي المستمعة أن يقرءوا في فضائل رمضان الصحية.

إذن رمضان بسبب أنه يعوّد الإنسان المحافظة على نيته في الصيام فإنه يعوّد اتخاذا القرار , و اتخاذ القرار قوة وإرادة , فالإنسان كلما جدد نيته بالصيام وأسرع في اتخاذ القرار بذلك , ثم بالإمساك وقت الإمساك , وبالفطور وقت الفطور كلما عوّد نفسه اتخاذ القرار بسرعة و باستمرارية حتى يتبرمج على اتخاذ القرار.

3)الميزة الثالثة هي الإنجاز:

هذا الشهر الكريم يعوّد الإنسان الإنجاز , رأيت في مركز الراشد للاستشارات الاجتماعية والنفسية مئات الناس في مختلف المعاناة الأسرية والاجتماعية والنفسية والعقلية , وعادة ما يأتيني قد أيس من العلاج التقليدي ولف على مجموعة من الأطباء وجملة من المشايخ وربما بعض المشعوذين والدجالين. وفي كل مرة يأتيني شخص من هؤلاء تتأكد عندي المعلومة أكثر وهي بحث الناس عن عصا موسى أو عن خاتم سليمان. أغلب الناس يريد أن يفتح عين ويغمض عين فإذا هو في النعيم , لذا فهو يذهب إلى شيخ يقرأ عليه لعله يزيل منه الحسد أو العين أو السحر أو الجان إلى آخره , أو يذهب إلى طبيب يوصف له روشته سحرية لدواء خارق يحل مشكلته في ساعات أو أيام , أو يذهب إلى الحوّاج أو مختص في الأعشاب ليوصف له العشب السحري الذي يخرجه من الجحيم ويدخله في النعيم أو يذهب إلى مشعوذ أو ساحر أو كاهن أو عرّاف ليفتح عليه ويفك عنه الأذى .. هيهات .. هيهات ...

ما هكذا تُحَل الأمور!! ...

ما هكذا يحصل التغيير أو تأتي الحلول أو يحل التغيير أو يتغير الحال!!

قد تحصل على حلول سريعة لكنها أكيد ركيكة ولن تدوم.

التغيير يبدأ من الداخل ليس عند مشعوذ ولا عند الكاهن ولا عند المعالج ولا عند الطبيب ولا عند الشيخ ولا عند الحوّاج .. التغيير أولًا وقبل كل شيء من عند الله والله وضعه في داخل الإنسان قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [1] .

الإنجاز تكون بدايته الصحيحة في النفس , هناك أناس حققوا الملايين وبنوا القصور وأثاروا الأرض لكنهم في أنفسهم ضعفاء تعساء , ماتوا فماتت دعواهم. رمضان يعلم الإنسان الإنجاز في فترة 30 يومًا مكثفة تصوم نهارك وتقوم ليلك فتشعر في نهاية شهرك أنك حققت ربحًا كبيرًا وأنجزت عملًا عظيمًا , والناس طبيعتها تبدأ متحمسة فتخف الحماسة مع الأيام , أما رمضان فيعلم الإنسان كيف ينجز إذ هي بداية قوية وبإرادة فتصبح أقوى بعد أيام , فإذا طالت المدة تقوت أكثر على غير عادة الكسالى والخائبين فدخل في العشر الأواخر فزادت العبادات وتنشط الكسالى وأطال المسلم ليله في التعبد ونهاره في التلاوة والذكر خاصة إذا كان معتكفًا , فإن لم يكن ففي العمل والذكر والتلاوة , فإذا قربت النهاية زيد من عمله فدخل في الليالي الأكثر بركة , وحتى آخر يوم من الشهر لا عجلة ولا ندم حتى تتم الأعمال كاملة، وفي الحديث كما عند البخاري ومسلم ..."ويغفر الله لهم في آخر ليلة، قيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر، قال: لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله". وهكذا يكون الإنجاز الصحيح، ابدأ عملًا ثم كثّف أكثر ثم إذا قربت من الإنجاز فشد أكثر حتى تتم العمل كله بإتقان وتمام.

4)ميزة رابعة أخرى في شهر رمضان وهي الخروج عن المألوف:

(1) سورة الرعد: 11

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت