الصفحة 23 من 73

الإنسان معتاد أن يقوم في وقت وينام في وقت ويذهب إلى العمل أو الدراسة ويعود ويأكل ويشرب ويتسوق إلى غير ذلك من أمور الدنيا في وقت معين ومحدد , في الغالب , عندما يأتي عليه شهر رمضان المبارك تتغير عليه الأمور ويخرج عن المألوف والروتين المستمر وتتجدد عليه الحياة , ويكاد يجمع العارفون و الباحثون في موضوع الإبداع على إن الإبداع خروج عن المألوف , وما أحوج الإنسان في كل زمان وبالذات في هذا الزمان إلى الإبداع والتجديد , كما أن كسر الروتين والخروج عن المألوف أحد الأعمال الضرورية للتغلب على القلق وضغوط الحياة. التجديد والتغيير لابد أن يكون في جدولك اليومي والأسبوعي والشهري والسنوي. أذكر مرة في حياتي مررت بقلق وضغوط شديدة جدًا وأصابني هم لم أعهده من قبل ولا من بعد , فرأيت في المنام الشيخ الفاضل محمد الغزالي رحمه الله - وكان ذلك قبل وفاته - فقال لي:] جدد حياتك [فعلمت أن له كتابًا بهذا العنوان فقرأته فكان له بالغ الأثر على نفسي. وأخذت بنصيحته فغيرت دون مبالغة أكثر من 80% من حياتي الاعتيادية إن لم يكن أكثر , وألفت بعدها مجموعة من المؤلفات التي أعتبر أنها تغير جيل بأكمله عن التغيير النفسي والسعادة والطمأنينة والشجاعة والتفاؤل وغير ذلك أنصحك بالحصول عليها ... التغيير و التجديد سمة من سمات هذا الشهر بل ومن سمات هذا الدين العظيم , رمضان فما أن ينتهي حتى يأتي العيد فما يلبث يمضي حتى يأتي الحج بشهوره الحُرم فبعده العيد وهكذا كل عام , حتى لا تمل النفوس وحتى تتجدد فتنطلق من جديد.

5)ميزة أخيرة هي خامسة أود أن أذكرها من ضمن موضوعنا وهي تنظيم الوقت:

من ميزات هذا الشهر الفضيل تنظيمه للأوقات , في ساعة معينة ومحددة الإمساك وفي ساعة معينة ومحددة الإفطار دقة التزام تنظيم. أغلب الناس لا يولي أهمية للوقت والتنظيم هو بالتالي لا يولي أهمية لحياته لأن الوقت هو الحياة , فالحياة عبارة عن وقت يمضي فتمضي , وقد يحاول أناس - لأن ذلك من عادة التكاسل وقلة الدقة و الإنجاز - أن يُخِلّوا في الوقت فيمسكوا قبل ساعة الإمساك كما تراها في التلفاز والجرائد حيث يضعون 10 دقائق قبل وقت الإمساك , وهذا خلل في هذه الميزة الدقيقة بل أن النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم ومسند أحمد والسنن الثلاثة نبه فقال:"لا يغرنكم في سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل حتى يستطير" [1] . وكان بلال يؤذن قبل أبن مكتوم رضي الله عنهما. والإفطار ساعة الإفطار لا تأخير ولا دقيقة واحدة , وقد نبه على ذلك أيضًا فقال - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح الجامع الصغير وهو عند أحمد:"لا تزال أمتي بخير ما عجّلوا الإفطار" [2] , وفي رواية أيضا في صحيح الجامع:"لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى استباق النجوم" [3] .

ففي شهر رمضان دقة والتزام و تنظيم للأوقات وترى الأمة بكاملها تجلس على مائدة الإفطار تنتظر الإعلان بالفطور , والأمة بكاملها تمتنع عن الطعام والشراب والجماع ساعة الإمساك , وترى الأمة صافّة في الصلاة والقيام والتراويح وشيء عجيب لو كان لك أن تنظر إليه من أعلى أو تشاهده من بعيد , أمة في غاية النظام و الدقة و الترتيب.

نحن نريد أن نكتفي بهذا القدر من ذكر ميزات شهر رمضان في التغيير لندخل في التغيير ومن ثم طرق عملية للتغيير. ونكتفي حيث إن نظام الأخوان في تسجيلات التقوى - بارك الله فيهم - أرادوا هذه المادة مختصرة في شريط واحد حتى ينشروه بكمية أكبر وبوقت أسرع فلنبدأ. لكن فقط أريد أن أنبه قبل الدخول في الجزء الثاني من هذه المادة إلى أن هناك من قد يخل في هذه الميزات فيكون هو السبب لا الشهر نفسه , فقد يفطر شخص في رمضان فيقطع ميزة البرمجة ولا يحصل له المطلوب , وقد يستمر الشخص في نفس نظامه اليومي فينام في نفس الساعة ويقوم في نفس الساعة فلا يتسحّر ولا يتغير عليه شيء سوى أنه لا يأكل ولا يشرب ولا يجامع ولا تحصل الفائدة الكبيرة من ميزة التجديد والخروج عن المألوف , قد لا يلتزم الإنسان بالتنظيم الوقتي فيمسك مبكرًا ويفطر متأخرًا ويدرك التراويح في منتصفها , ومثل ذلك فيخل في ميزة تنظيم الوقت وهكذا. ومن هنا نقول إن العمل بالسنة كما جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم صافية نقية هو فقط الذي تجني من خلاله ثمرات العمل المطلوب.

### فاصل ###

دعنا نتحدث عن التغيير ثم نجمع بين رمضان والتغيير. هذه النقاط سوف استخلصها من برنامجي (التغيير الفعّال) الذي سيرى النور في الأسواق قريبًا إن شاء الله.

مادة التغيير مادة غزيرة ومهمة وسوف أقتصر هنا على ما نربط به موضوعنا فقط.

(1) رواه الألباني , صحيح الجامع 7737

(2) رواه الألباني , صحيح الجامع 7284

(3) رواه الألباني , صحيح الجامع 7285

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت