فهرس الكتاب
هذه صورة وما أكثر صور تلك الآباء والأمهات الذين نعجب من حرصهم على الرغم من الأيدي المرتعشة والأقدام المهتزة والعظام الواهنة. والله والله إن الإنسان ليحتقر نفسه وعمله وهو يرى هؤلاء الكبار من رجال ونساء وكيف يتحاملون على أنفسهم على عجز وثقل ومرض و لأواء وقد عذرهم الله ومع ذلك قلوبهم متعلقة بالمساجد فهم إن شاء الله في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله كما في حديث السبعة.
ربما أصاب الإنسان أو ربما أصاب الإنسان منا التعب والإرهاق في صلاة التراويح أو القيام فإذا شاهد حال هؤلاء الآباء ونشاطهم على ما هم فيه كأنما نشاط من عقال إلا تسجل مواقفهم وتسطر لتعيها الأجيال. اللهم تقبل منهم واجعلهم من الفائزين برمضان.
-الصورة الثانية:
صورة أخرى رجل وسَّع الله عليه بماله وحسن سمته ودماثة خُلقه , فهو ينفق إنفاقا من لا يخشى الفقر , بحثت عنه عشر من رمضان فوجهت إلى محلاته فلم أجده سألت عنه فلم أجد جوابًا غير أن أحد العاملين قال ربما وجدته في الجامع , دخلت الجامع فوجدت العجب وجدت الموائد ممدودة ممدودة بالطول والعرض حتى إنك لا تجد مكانًا لموضع قدميك وفيها ما لذ وطاب من أنواع المأكولات والمشروبات بحثت عن صاحبي فوجدته يصول ويجول لحظات قبل الغروب فإذا بمئات العمالة تتوافد على الجامع من كل صوب ألفًا أو يزيدون قلت سبحان الله في الوقت الذي انشغل أهل الأموال ببيعهم وشرائهم فعصر رمضان موسم تجارى لا يعوض أما هذا الرجل فهو في تجارة أخرى , تجارة مع الله فلم يكفه أن دفع المال لتفطير الصائمين بل وقف بنفسه وعمل بيده ولم يعتذر يوم أن دُعِي للإنفاق في مشروع ثاني بل وفي مشروع ثالث وربما في رابع وخامس وعاشر مما لا نعلمه ولكن الله يعلمه , عندها ذكرت حديث ابي كبش عمر بن سعد الأنماري انه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:"ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه قال ما نقص مال عبد من صدقة" [1] رواه الترمذي وقال حسن صحيح. حدثت صاحبي والأنس والبشر على مُحيَّاه يعلم الله ما فقدت الابتسامة في وجهي يوم من الأيام الجميع يشهد له بالفضل والإحسان والورع وحسن الخلق وكثرة العبادة هكذا نحسبه ولا نزكى على الله أحدًا. خرجت من الجامع بصعوبة بالغة لكثرة المتوافدين من الصائمين والمساكين خرجت وأنا أردد عند الغروب
اللهم تقبل منه ...
اللهم وسع عليه بماله وولده ...
للهم بارك له وزده وأعطه ولا تحرمه ...
فإن لم يكن هذا من الفائزين برمضان فمن أيها الأحبة؟؟؟!!!
أولئك الذين يكنزون الأموال ويقبضون أيديهم. عندها ذكرت قول الحبيب صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبى بكر:"لا توكي فيوكي الله عليك" [2] أي لا تمنعي ما في يدكي فيقطع الله عليك مادة الرزق , وذكرت قول الملكين الذين ينزلان في كل صباح"فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا. [3] "كما في الحديث المتفق عليه.
وذكرت قول الحق عزَّ وجلَّ كما في الحديث القدسي:"انفق يا ابن آدم يُنفق عليك" [4] وهو متفق عليه. فقلت في نفسي الموفق من وفقه الله مع علمي أن هناك من تذهب نفسه حسرات أن لو كان يملك لينفق ويتصدق ولكنه لا يجد أو يجد القليل القليل فينفقه مع انه أحوج الناس إليه وبعضهم يسمع عن هذه الفضائل فلا يجد ما يتصدق به سوى الدمعة تسيل على الخدين. أن لو كان ذا مال سيتصدق عندها ذكرت قول الحق عزَّ وجلّ: (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌِ * وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَِ) [5] . اللهم أجعلنا وإياهم من الفائزين برمضان ومن عتقائك من النار برحمتك يا رحيم يا رحمن.
-الصورة الثالثة:
صورة ثالثة تصلى التراويح والقيام فتسمع آيات القرآن وتسمع الأنين والبكاء ينبعث في جنبات المسجد فيسجد المصلون فإذا بأزيز كأزيز المرجل ينبعث من الصدور غلبهم خوف الله وخشيته فوجلت القلوب وذرفت العيون عندها ذكرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا يلج النار من بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع" [6] رواه الترمذي وقال حسن صحيح.
(1) رواه الترمذي وقال حسن صحيح.
(2) حديث صحيح رواه ابن عبد البر.
(3) رواه البخاري.
(4) متفق عليه.
(5) سورة التوبة: 91 - 92
(6) رواه الترمذي وقال حسن صحيح.