فهرس الكتاب
ثم اعلموا أنما أنتم في هذه الدنيا غرض تتناضل فيه المنايا , مع كل جرعة شرق وفي كل أكلة غصص , لا تنالون منها نعمة إلا بفراق أخرى. ولا يعمر معمر منكم يوماَ من عمره إلا بهدم آخر من أجله , ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر , وقد مضت أصول نحن فروعها فما بقاء فرع ٍ بعد ذهاب أصله.
ألا فلا يستوحشن أحد في طريق الهدى لقلة أهله , فإن الناس قد اجتمعوا على مائدة شباعها قصير وجوعها طويل , ومن سلك الطريق الواضح دون فتور أو ملل ورد الماء ومن خالف وقع في التيه.
أيها الناس إن شعور المسلم بالاستبشار والغبطة حينما يرى إقبال الناس على الله في رمضان وما يقلبه من بصره هنا وهناك تجاه أوجه البر والإحسان لدى الكثيرين من أهل الإسلام ليأخذ العجب بلبه كل مأخذ ولربما غلب السرور مآقي المترقب فهاتان دمع الفرح والإعجاب لما يرى ويشاهد. إلا أن العيد وما يعقبه ليصدّق ذلك الظن أو يكذب ومن ثم ينكس المعجب وتشخص أحداقه لما يرى من مظاهر التراجع والكسل والفتور , ومن ثم يوقن أنه إنما كان مستسمنًا ذا ورم , وما يشاهده المرء في الأعياد في أقطار شتى من الفرح اللامشروع وتجاوز حدود الاعتدال فيه , على هيئة وصور تنفيان كونهم من الخائفين على رد الأعمال الصالحة , أو من الشاكرين لبلوغ هذا العيد الذي أكرمهم الله به. ومن ثَم فإن الحال على ما ذكر كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا لأن النفس البشرية لو كان عندها شغل بالخالق لما أحبت المزاحمة بما يسخطه (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) [1] .
ولو أنهم أحبوا الطاعة لما تخلوا عنها طرفة عين وقديما قيل:
من عشق طريق اليمن ... لم يلتفت إلى الشام
ألا فاعلموا يرعاكم الله أن من قارب الفتور والكسل بَعُدَ عنه النصب والاجتهاد , ومن ادعى الترويح أو التسرية وُكِلَ إلى نفسه. وإن من أحق الأشياء بالضبط والقهر والأطر على العبادة والاستقامة أطرى هي نفسك التي بين جنبيك.
فإياك إياك أيها المسلم أن تغتر بعزمك على ترك الهوى في رمضان مقاربة الفتنة بعده فإن الهوى مكايد , فكم من صنديد في غبار الحرب اغتيل، فأتاه ما لم يحتسب ممن يأنف النظر إليه، واذكر - حفظك الله - حمزة مع وحشي رضي الله عنهما. من تعود الفتور والكسل أو مال إلى الدعة والراحة فقدْ فقدَ الراحة, وقد قيل في الحكمة: إن أردت ألا تتعب فاتعب لئلا تتعب.
ولا أدل على ذلك من وصية الباري جل وعلا لنبيه ومصطفاه صلوات الله وسلامه عليه (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ) [2] , لأن من كسل لم يؤد حقاَ , ومن ضجر لم يصبر على الحق , والكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. وليس في سياط التأديب للنفس أجود من سوط عزم وإلا ونت وأبت , لأن فساد الأمر في التردد , والنفس عباد الله من أعجب الأشياء مجاهدة , لأن أقواماَ أطلقوها فيما تحب فأوقعتهم فيما كرهوا , وآخرين بالغوا في خلافها حتى منعوها حقها , وإنما الحازم من تعلم منه نفسه الجد وحسب الأصول. فإذا ما فتح لها في مباح لم تتجاسر أن تتعداه لأن تفقد النفس حياة والإغفال عنها لون من ألوان القتل صبرا , والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم.
إن الحياة الدنيا لا تخلو من عقوبة , ومن عاش لم يخلو من المصيبة , وقلما ينفك عن عجيبة. وإن من أعظم العقوبات عباد الله عدم إحساس المُعاقَب بها , بل وأدهى من ذلك وأمر السرور بما هو عقوبة كالفرح بالتقصير بعد التمام , أو التمكن من الذنوب بعد الإقلاع عنها. ومَن هذه حاله لا يفوز بطاعة ولو غش نفسه بعبادات موسمية ذات خداج لوجد خفيّ العقوبة الرئيس، وهو سلب حلاوة المناجاة أو لذة التعبد , إلا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات من عبَّاد رب الشهور كلها، بواطنهم كظواهرهم , شوّالهم كرمضانهم، الناس في غفلاتهم وهم في قطع فلاتهم، فأخلص لمديم القرع منهم للأبواب أن يلج , لأنهم تغلَّبوا على طباعهم ذات الجوانب الكثيرة , ولذا فليس العجب أن يَغلب الطبع وإنما العجب أن يُغلب.
لقد خُلِقَ الإنسان في كبد , والمرء كادحٌ إلى ربه كدحًا فملاقيه , وإن من أعظم ما يعين النفس المسلمة على دوام الطاعة ألا تُحَمّل من الأمر ما لا تطيق , بل لا بد لها من التلطف فإن قاطع مرحلتين في مرحلة خليق بأن يقف , والطريق الشاق ينبغي أن يُقطع بأبسط ممكن , ولا شك أن الرواحل إذا تعبت نهض الحادي ينشدها , ولذا فإن أخذ الراحة للجد جدٌ , وغوص البحّار في طلب الدر صعود.
(1) سورة محمد: 25.
(2) سورة الشرح: 7.