فهرس الكتاب
ومن أراد أن يرى التلطف بالنفس فليداوم النظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وليستمع إلى قوله:"إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى" [1] رواه أحمد , وعند البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الدين يسرٌ ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه" [2]
كثيرون هم أولئك الذين يشفقون من المتاعب وينفرون من الجهد والتكاليف وهم كذلك يتساقطون إعياءًا خلف صفوف الجادين من عباد الله يتخللونها ضِعافا مسترخين , يخذلون أنفسهم في ساعات الشدة.
(بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) [3]
نعم إن هناك ضعفًا في البشر ولا يملك الناس أن يتخلصوا منه , وليس مطلوباَ منهم أن يتجاوزوا حدود بشريتهم , ولكن المطلوب أن يتمسكوا بالعروة الوثقى التي تشدهم إلى الله في كل حين وآن , وتجعل من التدين في جميع جوانب الحياة عندهم ثقافةً وأسرةً وإعلامًا من الثوابت التي لا تتغير ولا تُخدَع بها النفس في موسم ما دون غيره كما أنها تمنعهم في الوقت نفسه بإذن الله من التساقط وتحرسهم من الفترة بعد السِرة مهما قلت مادامت على الدوام , فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل" [4]
ولا جِرَم أن نسير هاهنا إلى أن التحرر من الغلو والتشدد لا يعنى الترك والإهمال بل يعنى التوسط والاعتدال مع محافظة المرء على ما اعتاده من عملٍ أو التزامٍ في السلوك العام قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل" [5] .
إن الانهماك المستمر في العبادة والإغلاق على حقوق النفس والأهلين يعد إفراطًا مذمومًا , ليس من هَدي سيد المرسلين وأعبد الناس لرب العالمين بل ها كونه سببًا للتراجع والنكوص.
كما أن الأمر في الوقت نفسه إن كان تفاترًا عن العبادة أو انشغالًا عنها أو تركًا للحبل على الغارب مجانبةً للتصحيح أو الارتقاء بالحال على ما يريده الله ورسوله يعد تفريطًا ممقوتا , وكلا طرفي قصد الأمور ذميم. وبمثل ذلك تضيع المجتمعات المسلمة بين إفراطٍ وتفريط ناشِئين عن جهل وضلال كما قال علي رضي الله تعالى عنه: لا يُرى الجاهل إلا مُفَرِّطًا أو مُفرِطًا. ولفظ الإفراط والتفريط عباد الله لم يأتِ في القرآن على سبيل المدح إلا في نفيه عن كل صالح ٍأو مصلح ...
يقول جل شأنه عن الملائكة: (حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ) [6] , وقال عن موسى وهارون: (قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى) [7] , ويقول سبحانه: (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ) [8] , ويقول جل وعلى عن أهل النار: (قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) [9] , وقال جل شأنه: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [10] .
والمراد هنا عباد الله أن يتماسك المرء المسلم والمجتمعات المسلمة فيكون لهم من صلابة عودهم الإسلامي وحسه ما يحول بينهم وبين الفتور والضعف أو التراجع عن الدين أو التخاذل عنه وإذا ما بدت هفوةٌ أو غفلة سارعوا بالتيقظ ومعاودة التمسك والاستجابة لكل ناصحٍ مشفق وهذا هو التوسط المحمود الذي اختصت به الأمة من بين سائر الأمم , فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله.
(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [11]
والطغيان هنا هو ما تجاوز الحد في الأخذ أو الترك.
أيها المسلمون كثيرا ما يناجي المرء نفسه ماذا وكم عملت؟؟؟
وقليلا ما يساءل نفسه ويبلوها كيف كان عملي وما مدى قربه أو بعده من الله؟ وما درجة المداومة عليه وعدم الفتور عنه أو الإعياء بحمله؟. وما ذاك عباد الله إلا من جهل المرء بنفسه وتقصيره في معرفة حقيقة العبادة التي يريد الله منه في قوله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [12] .
(1) رواه أحمد.
(2) رواه البخاري.
(3) سورة الأعلى: 16 - 17.
(4) رواه البخاري ومسلم.
(5) متفق عليه
(6) سورة الأنعام: 61
(7) سورة طه: 45
(8) سورة الزمر: 56
(9) سورة الأنعام: 31
(10) سورة الكهف: 28
(11) سورة هود: 112.
(12) سورة الحجر: 99.