الصفحة 72 من 73

إن البقاء على الطاعة في كل حين أو التهاون عنها كرّات ومرّات ليعودان في المرد بإذن الله إلى القلب , فهو أكثر الجوارح تقلبًا في الأحوال حتى قال فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم:"إنما سمي القلب من تقلبه , إنما مثل القلب كمثل ريشةٍ في أصل شجرة يقلبها الريح ظهرًا على بطن" [1] , ولأجل ذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك", وسئل عن ذلك فقال: ..."إنه ليس آدميٌ إلا و قلبه بين أصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ" [2] .

وما سمي الإنسان إلا لنسيه ولا القلب إلا أنه يتقلب , إن استدامة الطاعة والمداومة على الأعمال الصالحة لهى في الحقيقة من عوامل الثبات على دين الله وشرعته: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [3] .

ألا وإن ترك المحرمات والعمل بما يوعظ به المرء من قِبل خالقه ومولاه لأمرٌ يحتاج إلى ترويض ومجاهدة من أجل الحصول على العاقبة الحميدة وحسن المغبّة (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) [4] .

والتثبيت عباد الله يكون في الحياة الدنيا على الخير والعمل الصالح , وفى الآخرة يكون تثبيتا في البرزخ وعند السؤال: (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ) [5] .

اللهم إنا نسألك الثبات قبل الممات والإرشاد إلى استدراك الهفوات من قبل الفوات , وإلهامنا أخذ العدة للوفاة قبل الموافاة بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله حمد من يشكر النعمة , ويخشى النقمة وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الفضل والمنة , وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله , معلمنا الكتاب والحكمة , صلوات ربى وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أولي النجابةِ والفطنة.

أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين وتوبوا إلى ربكم تفلحوا , تمسكوا بسنةِ المصطفى صلى الله عليه وسلم , وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثاتِ الأمور فإن كل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة.

قال الحسن البصري رحمه الله:"السنة والذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي. فاصبروا عليها رحمكم الله فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى , وهم أقل الناس فيما بقي , الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم ولا مع أهل البدع في بدعهم , وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم فكذلك إن شاء الله فكونوا".

فيا أهل التوبة استيقظوا ولا ترجعوا بعد رمضان إلى ارتضاع ثدي الهوى من بعد الفطام , فالرضاع إنما يصلح للطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء لا للرجال. وعليكم بالصبر على مرارة الفطام لتعتاضوا عن لذة الهوى بحلاوة الإيمان في قلوبكم ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرًا منه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [6] , ذنبٌ واحدٌ بعد التوبة أقبح من كذا ذنبٍ قبلها , النكسة أصعب من المرض وربما أهلكت.

فسلوا الله الثبات على الطاعات إلى الممات , وتعوذوا بالله من تقلب القلوب ومن الحور بعد الكور , فما أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة , و أفحش فقر الطمع بعد غنى القناعة.

(1) رواه أحمد.

(2) رواه أحمد والترمذي.

(3) سورة الأحقاف: 13.

(4) سورة النساء: 66 - 68.

(5) سورة إبراهيم: 27.

(6) سورة الأنفال: 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت