فهرس الكتاب
فعلى الصعيد الفكري تعرضت الكينزية لحصار نظري طاحن من خلال هجمات المدرسة النيوكلاسيكية التي قاد لوائها ميلتون فريدمان، وأنصار مدرسة إقتصاديات العرض. فقد نسبت هاتان المدرستان للتدخل الحكومي كافة الأزمات والمشكلات التي تعاني منها الرأسمالية (البطالة, الركود, إنخفاض الإنتاجية, التضخم, عجز الموازنة..,.الخ) والحق أن أنصار الكينزية عجزوا عن الرد, أو إقتراح سياسات براغماتية جديدة للخروج من الأزمة, خاصة أزمة الركود التضخمي, وإن كانت مساهماتهم النظرية في هذا المجال أو غيره, أمرا لا يمكن التهوين من شأنه. وعموما, فإنه لما كانت الرأسمالية, عبر شتى مراحل تطورها, قد أفرزت من تيارات الفكر الا قتصادي ما يناسب مصالحها ويعبر عن وعيها الطبقي, فإن الأزمة الهيكلية التي دخلت منذ مشارف عقد السبعينات قد أفرزت أشد تيارات الليبرالية تطرفا. وهذا التيار الليبرالي الجديد المتطرف، قد انقسم في الحقيقة إلى فرعين رئيسيين, يصبان معا في منبع واحد, هو المناداة بإطلاق الحرية الاقتصادية ( بمعناها الهمجي) إلى أقصى حد ممكن [1] .
فبإسم"الثورة المحافظة"، بدأ هؤلاء الليبراليون المتطرفون ينشرون نيوليبرالية عدوانية ومضاعفة بنوع من الأنتي -كينزية المناضلة للقضاء على ذلك التقليد القديم ألا وهوضرورة تحجيم دور الدولة وتدخلاتها في النشاط الاقتصادي والإجتماعي, منادين في الوقت عينه بأن الحرية الاقتصادية هي أساس حياة الفرد والمجتمع. وركزوا في هجومهم على السياسات الإجتماعية التي تطبقها الدولة في مجال السوق, مثل دعم صندوق التضامن الإجتماعي وإعانات البطالة, والرقابة على الأسعار، ودعم الخدمات التي توجه للطبقات الفقيرة, ومحدودي الدخل ( كالدعم السلعي و العلاج المجاني أو الرخيص, فضلا عن الإسكان والتعليم إلخ) .
(1) - رمزي زكي- الليبرالية المتوحشة- دار المستقبل العربي- الطبعة الأولى 1993 (ص88) .