فهرس الكتاب
فريكاردو, الذي كان ينتمي إلى طبقة الصناعيين الجدد, لا إلى طبقة الملاك العقاريين المحافظين التي كانت تسيطر على البرلمان الإنكليزي, نبه إلى أن الإقتصاد الإنكليزي محكوم عليه بالجمود, أي بدرجة الصفر في النمو, فيما إذا لم يلغ قانون الحبوب الذي كان يمنع إستيراد الحبوب من خارج المملكة حماية للإنتاج المحلي. فالمنافسة ضرورية لتحفيز الإنتاجية. وما قد تخسره السوق القومية نتيجة لدخول الواردات الأجنبية قد تعاود ربحه مضاعفا جراء نمو الصادرات إلى السوق العالمية نتيجة لتعاظم قدرتها على المنافسة الذي هو بدوره نتيجة لتحسين الإنتاجية, وبالتالي لخفض تكاليف الإنتاج. هذه الحقيقة الإقتصادية, التي كانت تحجبها الإيديولوجيا الحمائية السائدة في الستينات من القرن العشرين,هي التي أدركتها بعض بلدان جنوب شرقي آسيا التي كانت سباقة إلى الدخول في سيرورة العولمة عندما استعاضت عن سياسة التصنيع بهدف الإستغناء عن الإستيراد بسياسة التصنيع برسم إعادة التصدير إلى الخارج. ومن ثم تركت الإقتصاد الرأسمالي العالمي يغزو أسواقها القومية لتعاود بدورها غزوه في أسواقه القومية.
و الواقع أن مفهوم"السوق القومية"بالذات لا يعود ذا معنى في ظل العولمة. فليس بين الرأسمالية والدولة القومية رابطة زواج كاثوليكي. وخصوم العولمة الذين يحصرون نقدهم لها بكونها اعتدت على"حرمة"الدولة القومية يدللون على عدم فهم لطبيعة الرأسمالية, ولكن ليس صحيحا بالمقابل أن الرأسمالية مقولة لعصر الأمة. فالخالق ليس عبدا لمخلوقه. وإن تكن الرأسمالية قد احتاجت إلى إطار الدولة القومية في طورما من تطور تاريخها, فإن هذا التطور, الذي لا يزال يندفع دوما إلى الأمام, لا يمكن أن يلجمه ما كان حافزا له في الماضي وما صار عائقا له في الحاضر والمستقبل.