فهرس الكتاب
فالجواب: بأنّه جمع ليتناول طعمة وكلّ من خان مثل خيانته. أو ليتناوله وقومه الذين شاركوه في الإثم حين شهدوا على براءته وخاصموا عنه وهم يعلمون خيانته [1] .
وفي هذه القصّة تتجلّى عظمة الإسلام دين العدل والإنصاف، فكفر هذا اليهودي - مع ما عُرف عن اليهود من عداوتهم للإسلام وتربّصهم به - لم يمنع أن تنزل هذه الآيات البيّنات في إحقاق الحقّ، وتبرئة هذا اليهودي المظلوم ممّن ظلمه، حتّى ولو كان الظالم منتسبًا إلى الإسلام ظاهرًا، فلله الحمد والمنّة.
وهكذا ينبغي أن يكون أهل الإسلام، مقيمين للعدل، متحلّين بالإنصاف، ولو مع الأعداء، لا سيّما إذا كانوا في مجتمع واحد، وفي هذا يقول الله - عز وجل - مؤكّدًا هذا المعنى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] .
هذا ما ظهر لي من المعالم القرآنية (الخاصّة والعامّة) في التعامل مع المنافقين، وهي كثيرة ومتنوعة. وليس بالضرورة أن يُعمل بها كلّها في جميع الأزمنة والأمكنة، ومع كلّ منافق أو متخلّق بأخلاق أهل النفاق، وإنّما يُسلك فيها مسلك السياسة الشرعية كما سبق، بحسب ما تقتضيه الأحوال والمآلات، والله تعالى أعلم.
(1) ينظر: تفسير السراج المنير للشربيني: 1/ 265.