فاستكمل النبي الصالح التلطف مع قوم، وذكرهم بجميع الحقوق، وعرض عليهم أي شيءٍ يريدونه، حتى بناته؛ بشرط أن يحلوا عن ضيوفه، وينتهوا عن سوء أفعالهم.
وهو مع هذا النصح والمجادلة والمناظرة يوقن في قلبه أنهم لن يفعلوا ما يريد، بل عازمون على الفعل الشنيع بضيوفه الأطهار.
{لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون}
يمكن إجمال تفسير هذه الآية الكريمة في المسألة الآتية:
الأولى: في معاني الكلمات:
-اللام في {لعمرك} : هي لام الابتداء، وتأتي في صدر الكلام؛ ودخلت هنا لتأكيد القسم، و"عمرك"مبتدأ، والخبر محذوف وجوباٍ تقديره قسمي، فيكون المعنى: لعمرك قسمي ..
-العَمْر بفتح العين وسكون الميم، أصله في اللغة من العُمر بالضم، وهما سواء بمعنى واحد: أي الحياة والبقاء، ثم خص المفتوح بصيغة القسم لخفته، وهو قسم بحياة المخاطب به، وقيل معناه: الدين والعباة، فهو حلفٌ بعبادته لله [1] .
- {سكرتهم} و السَكرة: ذهاب العقل، مشتقة من السَّكر: وهو السد والغلق، ويكْنى بها في اللغة لعدة أمور منها: غلبة اللذة، والغضب، والشدة ... يجمعها تغطية العقل والقلب بأمرٍ غير مرغوب في الغالب [2] .
وأطلقت هنا: على الضلال، تشبيهًا لغلبة دواعي الهوى على دواعي الرشاد، بذهاب العقل وغشيته، وهي سكرة محبة الفاحشة التي لايبالون معها بعذل ولا لوم [3] .
ويطلق السُّكر على ما يخامر العقل ويسْكره، وهو معروف، ووجه مشابهته بما آل له قوم لوط، كما قاله ابن القيم:"وإنما وصف الله سبحانه اللوطية بالسكرة؛ لأن سكرة العشق مثل سكرة الخمرة" [4] .
(1) ينظر: البحر المحيط 5/ 455.
(2) لسان العرب 14/ 452.
(3) التحرير والتنوير 13/ 54، تفسير السعدي ص:387.
(4) التبيان في أقسام القرآن لابن القيم ص:269.