إن المصرف الإسلامي المعتمد على نموذج المضارب يضارب (حتى لو اشتغل بالديون في جانب الأصول) يحتاج إلى مواءمة الأصول مع الخصوم فيما يتعلق بمستوى المخاطرة. إنه لا يفعل ذلك لأنه يتحمل هو مخاطرة مستخدمي الأموال (فهو مضارب وليس مقترض في علاقته مع أصحاب الأموال) إلا أن هناك أسبابا أخرى تستدعي مثل تلك المواءمة ومن ثم تبرر الاهتمام بالتفريق بين التاجر والوسيط المالي، منها:
أ - لأن هناك مستوى معين من المخاطرة يتوقعه أصحاب الأموال عندما يودعون أموالهم لدى المصرف. وهذا المستوى يحدده العرف والعادة وربما القوانين المنظمة لعمل المصرف. ولما تحدد هذا المستوى للمخاطرة في جانب الخصوم (مصادر الأموال) ، صار على إدارة المصرف أن تتحكم بمستوى المخاطرة في جانب الأصول (استخدامات الأموال) . ولما كان هذا المستوى المطلوب لا يمكن أن يتحقق إذا اشتغل المصرف بالبيع والشراء كما التجار (لأن أولئك الذين يرغبون في تحمل مخاطرة التجارة لا يودعون أموالهم في البنوك) ، كان على هذه المؤسسة أن تكون ذات طبيعة خاصة مختلفة عن عمل التجارة.
ب - ورد النهي عن أنواع من البيوع يمكن أن تستخدم ستارًا يخفي وراءه معاملات ربوية مثل بيع العينة، وبيع ما ليس عند الإنسان ... الخ، مع توفر شكلية عقد البيع فيها. ولما كانت العبرة بالعقود هي بالمقاصد والمعاني لم يعتد أكثر الفقهاء بمجرد الشكلية بل نظروا إلى المآلات (نقود بنقود وبينهما حريرة!) . وقد نظر بعض المعاصرين إلى عمل المصارف الإسلامية من هذه الزاوية. وتوجسوا خيفة من الإصرار على القول بأن وظيفة المصرف هي الوساطة المالية لظنهم أن ذلك لا يعدو أن يكون نمطا عصريا للالتفاف على تحريم الربا بأدنى الحيل، وأن الغرض من مثل تلك المقولة هو التهرب من المتطلبات الأساسية للبيع الحقيقي. لكن النظر إلى هذه المسألة بمنظار التجريد بيّن وجهًا مهمًا من حكمة منع تلك البيوع.
إن انتشار مثل تلك المعاملات الصورية المشار إليها أعلاه يؤدي إلى انفصام الارتباط بين النقود وبين عمليات الإنتاج والتبادل، لأن النقود ستضحى عندئذ بحد ذاتها مصدرا لتوليد قيمة مضافة (ولكنها غير حقيقية) . فإذا منعت تلك المعاملات أضحت القيمة حقيقية لأنها تتولد في الإنتاج والتبادل. هذا هو الضابط للمسألة في هذا العصر الحديث الذي تبدلت فيه طبيعة السلع وطبيعة النقود وارتقى مستوى التكنولوجيا والعلاقات الإنتاجية بين الأفراد في المجتمع. فإذا ارتبطت عمليات التمويل التي يقدمها المصرف دائما بإنتاج أو تبادل وجب أن يتحقق لدينا الاطمئنان إلى أن عمل المصرف لا يتناقض مع الأهداف الكلية والمرامي البعيدة للنظام الإسلامي، حتى لو كان وساطة مالية.
جـ ـ ومع ذلك يمكن للمصرف أن يعمل مثل التجار لكنه عندئذ سيصبح تاجرا، ومن ثم نحتاج إلى وسيط مالي. ولذلك لابد من تخصص مؤسسة في الوساطة المالية. فإذا تخصص المصرف الإسلامي بالوساطة سد هذه الحاجة، وإذا اشتغل في التجارة بقيت الحاجة قائمة لمؤسسة الوساطة المالية، ولم يعد ممكنا لنموذج المصرف الإسلامي أن يكون بديلا عن المصرف التقليدي الذي يعمل بالفائدة ويتخصص في الوساطة المالية.
الوساطة المالية حاجة ضرورية لأي مجتمع في القديم والحديث. وهناك دلائل على أن المجتمعات قد تبنت، في كل دورات التاريخ الإنساني، ترتيبات متنوعة الهدف منها النهوض بهذه الحاجة. ذلك أن المجتمعات منذ الأزل مقسومة في كل لحظة من لحظات التاريخ إلى نوعين من الأفراد أولئك الذين لديهم من الموارد المالية ما يفيض عن حاجتهم الآنية وأولئك الذين لديهم من الحاجات ما لا تغطيه مواردهم المالية الحالية. فلو أنه جرى ترتيب طريقة يتم من خلالها نقل هذه الفوائض (والتي ستبقى عاطلة عن العمل) من فئة الفائض إلى فئة العجز لتحسن مستوى الرفاهية في المجتمع ككل، لأن فئة الفائض ليست أفرادا بعينهم وكذلك الحال فإن فئة العجز ليست أفرادا بعينهم بل إن كل أفراد المجتمع معرضون لأن يكون في عداد الفئة الأولى أو الثانية في أي وقت من الأوقات.
وقد عرف المسلمون ترتيبا للوساطة المالية، وكانت صيغة العقد التي اعتمدت عليها عمليات الوساطة هي المضاربة وكما هو الحال في المجتمعات القديمة، لم تتخصص مؤسسة بهذه الوظيفة بل كانت تتم ضمن هيكل العلاقات الاجتماعية السائدة، والذي يظهر أن العمل بالمضاربة كان بالغ الانتشار في مجتمعات الإسلام (انظر يودوفتش A. Udovitch) ، والمضاربة بطبيعتها صيغة من صيغ الوساطة المالية، ولذلك نهضت بحاجة تلك المجتمعات لاسيما أن جل النشاط المولد للربح في تلك الأزمنة كان في التجارة التي هي المجال الرئيس للمضاربة. إن الوساطة المالية وإن كانت قديمة في المجتمعات الإنسانية إلا أن فهم حقيقة هذا النشاط وإيجاد الإطار الذي يمكن من خلاله عزل الوساطة المالية عن مجمل النشاطات والعلاقات الأخرى هو أمر حديث .
هناك بعض الخصائص المهمة التي جعلت عقد المضاربة تام المناسبة للوساطة المالية، بل من العجيب أننا لم ننتبه لهذه الخصيصة فيه، منها أنه:
أولا: عقد جائز لا أجل له، وهذا ضروري للغرض المشار إليه لأن المدخرين بالجملة يحبون أن تتوفر مدخراتهم على قدر كاف من السيولة، ولا ريب أن قدرة رب المال على فسخ العقد في أي وقت دون الحاجة إلى موافقة العامل يحقق عنصر السيولة المشار إليه (طبعا يستثنى من ذلك الحالات التي يؤدي ذلك الفسخ إلى الإضرار بالعملية التجارية ومن ثم بنصيب العامل من الربح ولكنه عندئذ يجب أن يصفي تلك التجارة القائمة على رأس مال المضاربة، ولم يكن ذلك عسيرا لأنها كانت تعتمد على الصفقات وليس الاستثمار طويل الأجل) .
ثانيا: أن العقد لم يلزم رب المال (المدخر) بأن يساهم بأي شيء في هذه الشركة إلا بالمال فحسب. وهذا أمر أساسي في عقد الوساطة المالية لأن المدخر بعيد عن مجالات الاستثمار بسبب العجز كالأيتام والأرامل أو عدم الرغبة (لأنه يستثمر مدخراته بينما هو مشغول بعمل منتج آخر) . ومن ثم فقد تفوّق عقد المضاربة على عقود الشركة الأخرى وعلى عقد العمل (إجارة الآدمي) اللذين يتطلبان جهدا إشرافيا من جانب المدخر.
ثالثا: إن أهم ميزات القرض كصيغة للوساطة المالية (وهو ما اعتمد عليه نموذج المصرف التقليدي) هو انتقال الملك فيه إلى المقترض، ومن ثم إطلاق يده في الاستثمار المولد للربح لا يحركه في ذلك إلا مصلحته الذاتية. وقد توفرت هذه الخصيصة في المضاربة. ذلك لأن عقد المضاربة يمنع رب المال من التصرف في المال مادام في يد المضارب، ويطلق يد الأخير في اتخاذ القرارات الاستثمارية فيه كماله الخاص.
رابعا: وأسوأ خصائص القرض كصيغة للوساطة المالية أنه يعزل صاحب المال (المدخر) عن النتائج الحقيقية لعملية الاستثمار. فإذا تحققت الأرباح الكثيرة حرم منها لأنه لا يستحق إلا الفائدة. وإذا تحققت الخسارة لم يتعرض لها، مما يؤدي إلى إخراج عامل الربح من عملية اتخاذ القرار باختيار المقترض من قبل المدخر. جاءت المضاربة فتفادت وتخلصت من هذه الخصيصة بأن جعلت طرفي العقد يشتركان في الربح والخسارة (لأن العامل سيخسر وقته وجهده) .