المسجد المنصوري الكبير:"نحن مسلمون ونعيش في طرابلس المسلمة وكرامة الإسلام والمسلمين تقضي بحقنا بتعلم أمور ديننا". طبعًا إن هذه الكلمات لم تنطلق من فراغ، فالإنسان ابن بيئته، فالمرحلة التي كنا نعيشها في لبنان وفي طرابلس كانت حساسة جدًا ومليئة بأجواء التوتر. والحالة الإسلامية كانت وما زالت في حالة من الحضور والحيوية. ولم يكن ذلك وليد الصدفة، بل إنه في سياق بروز ظاهرة الصحوة الإسلامية مع نهاية السبعينات على مستوى العالم الإسلامي، هذه الظاهرة التي تعاظمت في لبنان عمومًا عقب الاجتياح الإسرائيلي عام 82 ونشوء المقاومة الإسلامية وانخراط الشباب المسلم في دائرة الصراع مع العدو الصهيوني وعملائه. وكان لطرابلس نصيب بارز في ذلك. فطرابلس أساسًا هي مدينة استثنائية في حملها لراية الحق ولقضايا الوطن والعروبة والإسلام عمومًا. في هذه الأجواء وفي ظل تعاظم نفوذ الحركة الإسلامية في طرابلس، كان من الطبيعي ظهور حالات تعبيرية في أكثر من دائرة وفي أكثر من اتجاه. والطلاب عادة يشكلون جسمًا حساسًا في المجتمع يلتقط المتغيرات ويتفاعل معها. وفي هذا السياق جاءت تحركات طلاب الإرساليات الذين أرادوا تأكيد انتمائهم الإسلامي، عبر تكتلات ونشاطات مختلفة بدأت بإصدار إمساكية شهر رمضان باسم"الطلاب المسلمون"في مدرسة الطليان ثم تبعهم في ذلك طلاب مدرسة الفرير (العام 1983) وهكذا دواليك، إمساكية هنا وبيان هناك، لقاءات وتجمعات، ثم كانت المطالبة بالتعليم الديني.
وكما ذكرنا سابقًا لا نستطيع تناسي الجو العام الذي ساهم في إيجاد حوافز لهؤلاء الطلاب ولكن المسألة انطلقت من رغبة خاصة بهم وبأهاليهم عبروا عنها بوسائلهم الخاصة. ولا بد من الإشارة إلى مسألة مهمة وهي أن الإرساليات في معظمها تضم في أروقتها كنائس أو تتبع إداريًا وتوجيهيًا لإحدى الكنائس، وتقوم بتدريس طلابها النصارى لدينهم، في هذا الوقت كان يبقى زملاؤهم المسلمون في الانتظار في الملعب أو غيره حتى انتهاء الحصة. فلا بد إذًا من المطالبة بالمساواة. والأمور بدأت هكذا وبأساليب هادئة من قبل الطلاب وأهاليهم، ثم عبر الفعاليات التربوية الإسلامية، وحيث كانت الاتصالات دون نتائج ملموسة، وأمام إصرار الطلاب على حقهم، والذين أثاروا الموضوع مع الفعاليات والشخصيات الإسلامية التي تعاطفت ودعمت وقامت ببعض الاتصالات ولكن التسويف والمماطلة شكلا دافعًا لرفع الصوت عاليًا من أكثر من جهة وفعالية ومن أبرزهم سماحة العلامة الراحل الشيخ سعيد شعبان رحمه الله [1] ، والذي أثار المسألة على طريقته المميزة فاهتزت المدينة وترددت الأصداء على مدى البلاد ونشطت الاتصالات وتتالت ردود الفعل، وأراد البعض استغلال الأمر لإعطائه بعدًا طائفيًا بامتياز. خاصة وأن فكرة تعليم أبناء المسلمين لأمور دينهم تتناقض مع خلفية تأسيس هذه المدارس
(1) -الشيخ سعيد شعبان امير حركة التوحيد الإسلامي والتي كان لها نفوذ عسكري وسياسي في طرابلس حينها.