وَأَمَّا الملحظ اَلثَّانِي: فَهُوَ شَيْء مِنْ عَمَل اَلْمُحْدَثِينَ أَقِف عِنْده لَحْظَة أُنَبِّهكُمْ بَعْدهَا
إِلَى أَثَر هَذَا اَلْعَمَل فِي اَلْمَنْهَج اَلدِّرَاسِيّ اَلصَّحِيح.
وَالْعَمَل اَلَّذِي نُشِير إِلَيْهِ هُوَ إِسْرَاف بَعْض اَلْمُتَنَاوِلِينَ لِلْمَسَائِلِ اَللُّغَوِيَّة فِي تَقْدِير
اَلْقَوْل بِأَنَّ أَصْل اَللُّغَات كُلّهَا إِنَّمَا هُوَ اَلْأَصْوَات المسموعات كدوى اَلرِّيح ثُمَّ وَلَّدَتْ
اَللُّغَات عَنْ ذَلِكَ إِذَا حَكَى اِبْن جِنِّيّ فِي اَلْخَصَائِص هَذَا اَلْقَوْل فِيمَا حَكَى مِنْ أَقْوَال فِي
أَصْل اَللُّغَة.
وَإِذَا سَيُدْمِنُ اَلْمُعَاصِرِينَ يُسْرِف فِي تَقْدِير اَلْأَمْر فَتَوَهَّمَ عِبَارَته أَنَّ هَذَا اَلْقَوْل فِي أَنَّ
أَصْل اَللُّغَة اَلْأَصْوَات هُوَ قَوْل اِبْن جِنِّيّ وَيَقُول إِنَّ هَذَا رَأْي بَعْض عُلَمَاء اَلْعَرَبِيَّة اَلْأَفْذَاذ
فِي أَصْل اَللُّغَة اَلْعَرَبِيَّة مُنْذُ نَحْو أَلْف سَنَة وَهُوَ رَأْي أَدْنَى إِلَى اَلْفِطْرَة وَالْمَنْطِق اَلسَّلِيم
وَسَنَة اَلنُّشُوء وَالِارْتِقَاء فِي نَشْأَة اَللُّغَات وَهُوَ رَأْي عُلَمَاء اَللُّغَات فِي اَلْعَصْر اَلْحَاضِر
مِنْ عَرَب وَعَجَم.
وَفِي هَذَا غَيْر قَلِيل مِنْ مَوَاضِع اَللِّفْت فَإِنَّ اَلْقَوْل فِي عِبَارَة اِبْن جَنَى نَفْسه معزو
لِبَعْضِهِمْ فَبَعْض مِنْ هَذَا ? أَهْوَ بَعْض اَللُّغَوِيِّينَ أَنَّ بَعْض اَلْمُتَكَلِّمِينَ ? أَمْ بَعْض اَلْمُتَفَلْسِفِينَ
أَمْ. . أَمْ إِلَخْ. . فَعَزَوْهُ لِبَعْض عُلَمَاء اَلْعَرَبِيَّة تَحَكُّم.
وَهُوَ ينضاف إِلَى اَلْمَيْل اَلْوَاضِح لِغَزْو هَذَا اَلرَّأْي إِلَى اِبْن جِنِّيّ نَفْسه مَعَ اِبْن جِنِّيّ رَغْم
قَوْله بَعْد إِيرَاد هَذَا اَلرَّأْي. ."وَهَذَا عِنْدِي وَجْه صَالِح وَمُذَهَّب مُتَقَبِّل لَمْ يَلْبَث أَنَّ عَقِب"
عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ"وَاعْلَمْ فِيمَا بَعْد أَنَّنِي عَلَى تَقَادُم اَلْوَقْت دَائِم التنقير وَالْبَحْث"
عَنْ هَذَا اَلْوَضْع فَأَجِد اَلدَّوَاعِي وَالْخَوَالِج قَوِيَّة اَلتَّجَاذُب لِي مُخْتَلِفَة جِهَات التغول عَلَى
فِكْرِي وَذَلِكَ أَنِّي إِذَا تَأَمَّلْت حَال هَذِهِ اَللُّغَة اَلشَّرِيفَة اَلْكَرِيمَة اَللَّطِيفَة وُجِدَتْ فِيهَا
مِنْ اَلْحِكْمَة وَالدِّقَّة والإرهاف وَالرِّقَّة مَا يَمْلِك عَلَى جَانِب اَلْفِكْر حَتَّى يَكَاد يَطْمَح بِهِ
أَمَام اَلسِّحْر الخ مَا يَقُول حَتَّى يَنْتَهِي بِقَوْلِهِ فَقَوِيَ فِي نَفْسه اِعْتِقَاد كَوْنهَا تَوْفِيقًا مِنْ
اَللَّه سُبْحَانه وَأَنَّهَا وَحْي""
ثُمَّ أَقُول فِي ضِدّ هَذَا: كَمَا وَقَعَ لِأَصْحَابِنَا وَلَنَا وَتَنْبُوَا وَتَنَبَّهْنَا عَلَى تَأَمُّل هَذِهِ
اَلْحِكْمَة اَلرَّائِعَة اَلْبَاهِرَة , كَذَلِكَ لَا نَنْكَر أَنْ يَكُون اَللَّه تَعَالَى قَدْ خَلَقَ مِنْ قَبِلْنَا
وَإِنَّ بُعْد مَدَاهُ عَنَّا - مَنْ كَانَ أَلْطَف مِنَّا أَذْهَانًا وَأَسْرَع خَوَاطِر وَأَجْرَأ جِنَانًا فَأَقِف بَيْن
تِين الخلتين حَسِيرًا وأكاثرهما فأنكفي مَكَثُوا وَإِنَّ خَطَر خَاطِر فِيمَا بَعْد يُعَلِّق بِإِحْدَى
اَلْجِهَتَيْنِ وَيَكُفّهَا عَنْ صَاحِبَتهَا قَلْبًا بِهِ وَبِاَللَّهِ اَلتَّوْفِيق.
فَهَلْ خَطَرَ لِابْن جِنِّيّ هَذَا اَلْخَاطِر اَلَّذِي يُعَلَّق اَلْكَفّ بِأَنَّ اَللُّغَة تَقْلِيد لِلْأَصْوَاتِ فَقَالَ بِهِ
فِي مَوْضِع لِمَ نَرَاهُ. . وَوَقَعَ هَذَا اَلْقَوْل لِلسَّيِّدِ اَلْعَصْرِيّ صَاحِب كِتَاب اَلِاشْتِقَاق ? مَا أَحْسَب
أَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَدْ كَانَ!. .