وَضْع اَللُّغَة
فَعِنْدهمْ. . أَنَّهُ سَوَاء أكانت اَللُّغَة إِلْهَامًا أَمْ كَانَتْ اِصْطِلَاحًا بَشَرِيًّا فَلَابُدَّ مِنْ وَضْع
يَجْعَل لَفْظ كَذَا بِإِزَاء مَعْنَى كَذَا. . بِوَضْع وَاضِع أَوَّل قَدْر اَلْحَاجَة اَللُّغَوِيَّة وَوَضْع
اَلْكَلِمَات اَلْوَافِيَة بِهَا , كُمًّا لِحَظّ اَلِاعْتِبَارَات اَلْحَيَوِيَّة اَلْمُخْتَلِفَة اَلَّتِي سيحوج إِلَيْهَا
اَلِاسْتِعْمَال فِي اَلْمُسْتَقْبَل اَلْبَعِيد , وَأَعْطَى اَلْكَلِمَات أَحْوَالهَا اَلَّتِي تُلَائِم هَذَا
اَلِاسْتِعْمَال وَتُيَسِّر أَمْره. . . وَبِعِبَارَة اِبْن جِنِّيّ , حِكَايَة عَنْ شَيْخه أَبِي اَلْفَارِسِيّ.
أَنَّهُمْ وَزَنُوا حِينئِذٍ أَحْوَالهمْ , وَعَرَفُوا مَصَايِر أُمُورهمْ , فَعَلِمُوا أَنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى
اَلْعِبَارَات عَنْ المعانى وَأَنَّهَا لَابُدَّ لَهَا مِنْ اَلْأَسْمَاء , وَالْأَفْعَال وَالْحُرُوف فَلَا عَلَيْهِمْ
وَقَدْ أَوْجَبُوا عَلَى أَنْفُسهمْ أَنْ يَأْتُوا بِهِمْ جُمَع , إِذْ اَلْمَعَانِي لَا تُسْتَغْنَى فِي تَقْدِير
اَلْوَاضِع اَلْأَوَّل جَمِيع ظُرُوف اَلْحَاجَة اَللُّغَوِيَّة اَلْمُسْتَقْبِلَة إِذْ يَقُول:
"وَكَانَ أَبُو اَلْحَسَن يَذْهَب إِلَى أَنَّ مَا غَيَّرَ لِكَثْرَة اِسْتِعْمَاله إِنَّمَا تَصَوَّرَتْهُ اَلْعَرَب قَبْل"
وَضْعه , وَعَلِمَتْ أَنَّهُ لَابُدَّ مِنْ كَثْرَة اِسْتِعْمَالهَا إِيَّاهُ , فَابْتَدَءُوا بِتَغْيِير عِلْمًا بِأَنَّ لَابُدَّ
مِنْ كَثْرَة اَلدَّاعِيَة إِلَى تَغْيِيره , وَهَذَا فِي اَلْمَعْنَى كَقَوْلِهِ:
رَأَى اَلْأَمْر يُفْضِي إِلَى آخَر فَصَيَّرَ آخِره أَوَّلًا
وَقَدْ كَانَ أَيْضًا أَجَازَ أَنْ يَكُون"قَدْ"كَانَتْ قَدِيمًا مُعَرَّبَة , فَلِمَا كَثُرَتْ غَيَّرَتْ , فِيمَا
بَعْد وَالْقَوْل عِنْدِي هُوَ اَلْأَوَّل , لِأَنَّهُ أَدُلّ عَلَى حِكْمَتهَا , وَأَشْهَد لَهَا بِعِلْمِهَا بِمَصَايِر
أَمْرهَا , فَتَرَكُوا بَعْض اَلْكَلَام مُبَيِّنًا غَيْر مُعَرَّب نَحْو أَمْس وَهَؤُلَاءِ.
وَبَعْد اَلْإِطَالَة يَخْتِم بِقَوْلِهِ:"فَهَذَا كُلّه وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِمَّا يُطَوِّل ذِكْره يَشْهَد لِأَنَّ"
كُلّ مَا يَتَوَقَّع إِذَا ثَبَتَ فِي اَلنَّفْس كَوْنه كَانَ كَأَنَّهُ حَاضِر مُشَاهَد , فَعَلَى ذَلِكَ يَكُونُونَ
قَدِّمُوا بِنَاء نَحْو كَمْ وَكَيْفَ حَيْثُ وَقَبِلَ عِلْمًا بِأَنَّهُمْ سَيَسْتَكْثِرُونَ فِيمَا بَعْد مِنْهَا فَيَجِب
لِذَلِكَ تَغَيُّرهَا"."
وَلَا يَقْتَصِر تَطَلُّع اَلْوَاضِع عَلَى اَلْإِفْهَام , بَلْ يَمْتَدّ إِلَى اَلتَّحْسِين أَيْضًا , حَتَّى يَقُول اِبْن
اَلْأَثِير فَإِنَّ اَلْوَاضِع لِهَذِهِ اَللُّغَة اَلْعَرَبِيَّة اَلَّتِي هِيَ أَحْسَن اَللُّغَات نَظَر إِلَى مَا يَحْتَاج
إِلَيْهِ أَرْبَاب اَلْفَصَاحَة وَالْبَلَاغَة فِيمَا يَصُوغُونَهُ مِنْ نُظُم وَنَثْر وَرَأَى أَنَّ مِنْ مُهِمَّات ذَلِكَ
اَلتَّجْنِيس , وَلَا يَقُوم بِهِ إِلَّا اَلْأَسْمَاء اَلْمُشْتَرَكَة. . فَوَضَعَهَا مِنْ أَجْل ذَلِكَ.
وَيَتَكَرَّر تَقْرِيرهمْ لِهَذَا اَلْأَصْل اَلْأَصِيل عِنْدهمْ فِي وَضْع اَللُّغَة وَيَمْنَعُونَ اَلشُّبْهَة عَنْهُ
فَيُفَسِّرُونَ اِخْتِلَاف لُغَات اَلْعَرَب بِاخْتِلَاف اَلْوَضْع اَلْأَوَّل وَفِي هَذَا يَنْقُل اِبْن جِنِّيّ عَنْ
الأخفش مَا عِبَارَته:
"وَذَهَبَ إِلَى أَنَّ اِخْتِلَاف لُغَات اَلْعَرَب إِنَّمَا أَتَاهَا مِنْ قَبْل أَنْ أَوَّلَ مَا وَضَعَ فِيهَا وَضْع"
عَلَى خِلَاف , إِنْ كَانَ كُلّه مَسُوقًا عَلَى صِحَّة قِيَاس ثُمَّ أَحْدَثُوا مِنْ بَعْد أَشْيَاء كَثِيرَة