فهرس الكتاب
تَحْت جُزْئِيَّات كَثِيرَة.
2 -اَلْوَضْع تَحْقِيقِي , وَتَأْوِيلِي , فَالْأَوَّل مَا لَا يَحْتَاج فِيهِ اَللَّفْظ اَلْمَوْضُوع إِلَى
قَرِينَة كَوَضْع اَلْحَقَائِق , وَالثَّانِي مَا يَحْتَاج اَلْمَوْضُوع فِيهِ إِلَى قَرْنِيَّة كَوَضْع اَلْمَجَازَات
وَالْكِنَايَات , وَيَتَدَاخَل هَذَا اَلتَّقْسِيم مَعَ سَابِقه فَيَقُولُونَ إِنَّ اَلْوَضْع التأويلي كُلّه نَوْعِيّ
وَأَمَّا اَلْوَضْع التحقيقي فَقَدْ يَكُون نَوْعِيًّا كَوَضْع اَلْمُشْتَقَّات , وَقَدْ يَكُون شَخْصِيًّا كَوَضْع
أَعْلَام اَلْأَشْخَاص.
وَلَا يَمْتَدّ اَلْعِلْم رَغْم هذأ اَلِاسْم اَلضَّخْم , وَإِلَى أَكْثَر مِنْ عِدَّة تَقْسِيمَات تُثِير حَفْنَة
خِلَافَات , لَا مَحْصُول لَهَا. . كَمَا لَا أَهَمِّيَّة لِلتَّقْسِيمَاتِ نَفْسهَا , فَكَانَ عِلْم اَلْوَضْع عِلْمًا
بَلْ شَيْئًا - هَزِيلًا ضَامِرًا , لَمْ تَشْعُر اَلْحَيَاة بِحَاجَة إِلَى نُمُوّهُ , فَظَلَّ فِي تِلْكَ اَلْحُدُود
اَلضَّيِّقَة أَقْسَامًا تَرَدُّد , وَخِلَافَات حَوْلهَا , لَا عُمْق فِيهَا وَلَا أَثَر لِشَيْء مِنْهَا إِلَّا فِي
حَيَاة كَحَيَاة تِلْكَ اَلْأَيَّام اَلَّتِي ظَهَرَ وَعَاشَ فِيهَا عِلْم اَلْوَضْع: حَيَاة صِنَاعِيَّة مُتَكَلِّفَة ,
يَرْتَزِق فِيهَا نَاس بِأَشْيَاء يرهمون بِهَا أَوْ يُعْمُونَهَا عَلَى اَلنَّاس , أَوْ يُقَدِّرُونَ عَلَى غَيْر
أَسَاس أَنَّ لَهَا شَيْئًا مِنْ اَلْأَهَمِّيَّة - إِنْ قُدِّرُوا.
وَنَنْظُر اَلْيَوْم إِلَى هَذَا اَلْقَوْل اَلَّذِي سَمِعَتْ فِي تَكَوُّن اَللُّغَة اَلْعَرَبِيَّة , وَأَنَّ طَرِيق هَذَا
اَلتَّكَوُّن إِنَّمَا كَانَ هُوَ وَضْع وَاضِع جَعْل اَلْآخَر أَوَّلًا , وَتَبَيَّنَتْ حِكْمَته حَاجَة اَلْأَجْيَال
وَالْآبَاد , فَدَبَّرَ لَهَا , وَنُظُم اَلِاخْتِلَاف عَلَيْهَا. . نَنْظُر فِي هَذَا فَنَشْعُر شُعُورًا قَوِيًّا
بِأَنَّ فِي اَلْأَمْر عَلَى هَذَا اَلْبَيَان مُخَالَفَة لِطَبَائِع اَلْأَشْيَاء , لِأَنَّ سِيَر اَلْحَيَاة فِيمَا
تُبَيِّن لَيْسَ إِلَّا نُشُوءًا يَعْقُبهُ اِرْتِقَاء وَخَالَفَا يَكْبُر عَنْ سَالِف , فَكَيْفَ يَكُون اَلْأَمْر فِي
اَللُّغَة عَلَى عَكْس هَذَا! ?
لَكِنْ مَا يَبْدُو لَنَا غَرِيبًا هَكَذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَنْطِق اَلْقَوْم عَلَى هَذِهِ اَلْغَرَابَة , فَإِنَّك
لِتَعْرِف أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ اَلدُّنْيَا نِصْف , قَدْ ذَهَبَ خَيْر نِصْفَيْهَا , وَيُقَرِّرُونَ أَنَّ اَلْأَوَّل قَدْ ذَهَبَ
بِالْمَعْرِفَةِ كُلّهَا , كَمَا ذَهَبَ بِالْخَيْرِ كُلّه وَأَنَّ أَفْضَل اَلْقُرُون قَدْ مَضَى مُنْذُ أَكْثَر مِنْ عَشَرَة
قُرُون. . فَالنِّظَام عِنْدهمْ لَيْسَ نُشُوءًا وَتَرَقِّيًا. . بَلْ هُوَ تَنْزِل وَتَدَهْوُر بَعْد كَمَال وَفَضْل
وَمِنْ هُنَا تُدْرِك أَنَّ أَسَاس اَلْخِلَاف فِكْرِيّ جَوْهَرِيّ عَام. . يَمْتَدّ إِلَى أَشْيَاء كَثِيرَة , وَلَا
يَقْتَصِر عَلَى اَللُّغَة بَلْ يَمَسّ اَلنَّظْرَة اَلْكُبْرَى فِي سَيْر اَلْوُجُود كُلّه لَا سَيْر اَللُّغَة فَقَطْ
عَلَى أَنَّك مَهْمَا تَغُضّ عَنْ اَلنَّظَر فِي هَذَا اَلْأَصْل اَلْبَعِيد لِمَنْطِق اَلتَّفْكِير فِي عَصْره وَعَصْرهمْ
لَا تَلْبَث - مَهْمَا تَكُنْ مُتَسَامِحًا - أَنْ تَسْتَكْثِر هَذَا اَلَّذِي يَدْعُونَهُ لِلْقَوْمِ البداة مِنْ
اَلْحِكْمَة اَلشَّامِلَة , وَالنَّظْرَة اَلنَّافِذَة اَلَّتِي تَطَلَّعَتْ فِي بَدَاوَتهَا اَلسَّاذَجَة مِنْ وَرَاء
اَلْأَجْيَال اَلْكَثِيرَة إِلَى اَلْمَطَالِب اَلْإِنْسَانِيَّة الغلوية اَلنَّامِيَة وَمَا سَيَقِلُّ فَجَلَتْ آخِر هَذَا
عَلَى حَال , وَآخِر ذَاكَ عَلَى حَال أُخْرَى الخ.