فهرس الكتاب
وَلَقَدْ يدفك إِلَى اَلشُّعُور بِهَذَا اَلِاسْتِكْثَار , بَلْ اَلِاسْتِبْعَاد إِسْرَاف اَلْكَاتِبِينَ فِي
الإعظام مِنْ شَأْن هَذِهِ اَلْحِكْمَة وَتَكْرَار اَلْقَوْل فِيهَا. . فَهَذَا صَاحِبنَا"اِبْن جِنِّيّ"يَعْقِد
بَابًا فِي كِتَابه اَلْخَصَائِص فِي أَنَّ اَلْعَرَب قَدْ أَرَادَتْ مِنْ اَلْعِلَل وَالْأَغْرَاض مَا نَسَبْنَاهُ
إِلَيْهَا وَحَمَلْنَاهُ عَلَيْهَا. . . وَيَشْغَل هَذَا اَلْبَاب فِي اَلْجُزْء اَلْأَوَّل بِضْع عَشْرَة صَفْحَة - مِنْ
732 إِلَى 152 لَا يَزَال اَلشَّيْخ يُرَدِّد فِيهَا مِثْل قَوْله: وَهُوَ أَحْزِم لَهَا - اَلْعَرَب -
وَأُجْمِل بِهَا و أَدُلّ عَلَى اَلْحِكْمَة اَلْمَنْسُوبَة إِلَيْهَا. وَقَوْله لِأَنَّ اَللَّه سُبْحَانه إِنَّمَا
هَدَاهُمْ لِذَلِكَ وَوَقَفَهُمْ عَلَيْهِ , لِأَنَّ فِي طِبَاعهمْ قَبُولًا لَهُ اِنْطِوَاء عَلَى صِحَّة اَلْوَضْع فِيهِ
لِأَنَّهُمْ مَعَ مَا قَدَّمَنَا مِنْ ذِكْر كَوْنهمْ عَلَيْهِ فِي أَوَّل اَلْكِتَاب مِنْ لُطْف اَلْحِسّ وَصَفَائِهِ ونصاعة
جَوْهَر اَلْفِكْر وَنَقَائِهِ. الخ مَا يُطِيل فِيهِ مِنْ بَيَان أَنَّهُ إِنْ كَانَتْ اَللُّغَة وَحَيًّا فَهُمْ
اَلْمُصْطَفَوْنَ وَإِنْ كَانَتْ شَيْئًا اِصْطَلَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ مفخر لَهُمْ وَمَعْلَم مِنْ مَعَالِم اَلسَّدَاد دَلَّ
عَلَى فَضِيلَتهمْ. . . وَفِي أَثْنَاء ذَلِكَ يَقُول فَهَلْ ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّهُمْ يَحْتَاطُونَ وَيُقَاسُونَ وَلَا
يُفَرِّطُونَ وَلَا يَخْلِطُونَ.
وَهَذَا وَمَا إِلَيْهِ مِنْ حَدِيث لِغَيْر اِبْن جِنِّيّ لَا يُقِلّ مُبَالَغَة عَنْهُ مِمَّا يَدْفَعك مُكْرَهًا إِلَى
اَلنُّفُور مِنْ أُسْلُوبهمْ فِي تَقْرِير هَذَا اَلْوَضْع وَاعْتِمَاده عَلَى تِلْكَ اَلْحِكْمَة اَلْعَقْلِيَّة
اَللُّغَوِيَّة لِأَهْل اَلْعَرَبِيَّة وَلُطْف اَلْحِسّ وَدِقَّة اَلْإِدْرَاك مِمَّا نُسَلِّم لِلْعَرَبِ بِهِ بَلْ بِأَكْثَر مِنْهُ
لَوْ لَمْ يَجْعَل سَبَبًا لِهَذَا اَلْوَضْع اَللُّغَوِيّ اَلسَّابِق لِلْحَيَاةِ , بِالْإِغْوَاءِ لِوَاقِعِهَا!!
عَلَى أَنَا لَا نَقِف فِي نَقْد اَلْقَوْل بِالْوَضْعِ عِنْد هَذِهِ اَلْعَاطِفِيَّات , وَلَا عِنْد اَلْقَضَايَا
اَلْبَعِيدَة فِي مَنْطِق اَلتَّفْكِير اَلْعَامّ أَوْ اَلْخَاصّ. . بَلْ نَرْجِع مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَا اِرْتَضَيْنَا مِنْ
مَنْهَج عِلْمِيّ فِي فَحْص اَلْحَقَائِق اَللُّغَوِيَّة عَلَى نَحْو مَا بَيَّنَاهُ آنِفًا فِي نَقْد اَلْجَمْع اَللُّغَوِيّ
وَنَوَدّ أَنْ نَنْتَفِع - كَمَا اِتَّفَقْنَا مِنْ قَبْل - بِمَا عَسَى أَنْ يَكُون فِي اَلْمَقَام مِنْ تَشْخِيص
بِالْإِغْوَاءِ اَللُّغَوِيِّينَ اَلْآن فَلَا نَجِد - فِيمَا عَرَفْنَا - قَوْلًا لِلْمُحْدَثِينَ وَفِي تَقْدِير مَا
قَرَّرَهُ اَلْأَقْدَمُونَ مِنْ حَدِيث عَنْ وَضْع اَللُّغَة بَلْ عَلَى اَلْعَكْس نَجِد مِنْ حَدِيث أَصْحَاب اَللُّغَة
وَأَصْحَاب اَلْأَدَب جَمِيعًا مَا لَا يُلْفِت إِلَى شَيْء مِنْ نَقْد تِلْكَ اَلْمُقَرَّرَات وَلِلْمُعْجَبِينَ فِي
اَلْوَضْع وَأَنَّهُ مِنْ حَقّ اَلْمُحْدَثِينَ كَمَا كَانَ مِنْ عَمَل اَلْقُدَمَاء مَا سَتَقِفُ بُعْد اَلنَّظَر فِيهِ
وَالْمُلَاحَظ عَلَيْهِ!!
وَإِذَنْ فَسَنُمْضِي إِلَى فَحْص هَذَا اَلْوَضْع اَللُّغَوِيّ بِعَرْضِهِ عَلَى اَلْمُقَرَّرَات اَللُّغَوِيَّة اَلَّتِي أَخَذَتْ
مِنْ اَلْأُسْلُوب اَلتَّجْرِيبِيّ فِي دَرْس اَلِاجْتِمَاع اَللُّغَوِيّ , لِنَعْرِف كُلّ مَا تَسْمَح بِهِ طَبِيعَة
اَللُّغَة مِنْ اَلْوَضْع عَلَى نَحْو مَا وَصَفُوهُ. . ? مُقَدِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ اَلْمُقَرَّرَات اَلْجَدِيدَة أَشْبَه مَا
تَكُون بمخابير اَلْفَحْص اَلْعِلْمِيّ اَلْمَادِّيّ. . أَوْ أُشَبَّه بِالْأَشِعَّةِ اَلنَّفَّاذَة اَلْكَاشِفَة كَمَا
قُلْنَا.