الصفحة 24 من 64

وَقَدْ هَذِهِ اَلْمَيْدَان , نَسْمَع تَقْرِير اَلْمُحَدِّثِينَ أَنَّ اَللُّغَة لَيْسَتْ إِلَّا ظَاهِرَة اِجْتِمَاعِيَّة

وَتِلْكَ اَلظَّوَاهِر لَا تَقُوم إِلَّا عَلَى غَيْر مَا تَصَوَّرَهُ اَلْأَقْدَمُونَ مِنْ أُمُور عَقْلِيَّة , مَنْطِقِيَّة

وَأَعْمَال صِنَاعِيَّة تَحَكُّمِيَّة.

فَيَقُول هَؤُلَاءِ اَلْمُحْدَثُونَ: إِنَّ اَللُّغَة - أَيّ لُغَة كَانَتْ - إِنَّمَا هِيَ ضَرْب مِنْ اَلنُّظُم

اَلِاجْتِمَاعِيَّة وَالظَّوَاهِر اَلْإِنْسَانِيَّة , اَلْعَامَّة اَلَّتِي يَتَوَلَّى دَرْسهَا ذَلِكَ اَلْعَلَم اَلْمُخْتَصّ

بِهَذَا اَلْجَانِب مِنْ اَلدِّرَاسَات اَلْإِنْسَانِيَّة , وَهُوَ"عِلْم اَلِاجْتِمَاع"وَيَتَّخِذ لِتِلْكَ اَلدِّرَاسَة

اَلْمَنْهَج اَلْعِلْمِيّ اَلْمُحْدَث , قَدْر مَا تُعَيِّن طَبِيعَة اَلْمَادَّة اَلْمَدْرُوسَة. وَيَخُصّ اَلظَّاهِرَة

اَللُّغَوِيَّة بِفَرْع مِنْهُ خَاصّ هُوَ:"عِلْم اَلِاجْتِمَاع اَللُّغَوِيّ".

وَأَصْحَاب هَذَا اَلْعِلْم يُقَرِّرُونَ: أَنَّ هَذِهِ اَلنُّظُم اَلْعَامَّة اَلَّتِي تَقُوم عَلَيْهَا حَيَاة اَلْجَمَاعَة

اَلْبَشَرِيَّة وَعَلَيْهَا تُبْنَى اَلْعَلَاقَات وَالرَّوَابِط بَيْن أَفْرَاد هَذِهِ اَلْجَمَاعَة بَعْضهمْ بَعْضًا

وَبَيْنهمْ وَبَيْن غَيْرهمْ مِنْ اَلْكَائِنَات. . هَذِهِ اَلنُّظُم اَلْجَمَاعِيَّة وَمِنْهَا اَللُّغَة تَتَحَقَّق فِيهَا

كُلّهَا خَصَائِص مُطَّرِدَة لَا تَتَخَلَّف وَطَبَائِع مُشْتَرِكَة لَا تَشِذّ عَنْهَا أَيّ وَاحِدَة مِنْ تِلْكَ اَلظَّوَاهِر

اَلْجَمَاعِيَّة وَالنُّظُم اَلِاجْتِمَاعِيَّة وَلَئِنْ كُنَّا لَا تُعْرِض هُنَا اَلْحَدِيث عَنْ تِلْكَ اَلْخَصَائِص

اَلْمُمَيَّزَة لهاتيك اَلنُّظُم وَالظَّوَاهِر فَإِنَّا نَكْتَفِي بِالْحَدِيثِ عَمَّا يُغْنِينَا فِي هَذَا اَلْفَحْص عَنْ

حَقِيقَة ظُهُور اَللُّغَة بِمَا هِيَ وَاحِدَة مِنْ تِلْكَ اَلنُّظُم اَلْآدَمِيَّة التجميعة. فَنُشِير إِلَى

حَدِيث اَلِاجْتِمَاعِيِّينَ عَنْ أَنَّ تِلْكَ اَلظَّوَاهِر اَلْجَمْعِيَّة لَيْسَتْ صِنَاعَة فَرْد بِعَيْنِهِ أَوْ أَفْرَاد

بِعَيْنِهِمْ , ولاعمل جِيل بِذَاته , وَلَا تَوْجِيه فِيهَا لِعَقْل اَلْفَرْد , أَوْ اَلْإِرَادَة اَلْفَرْدِيَّة ,

وَلَا تَأْثِير لَهُ عَلَيْهَا , فَلَا هُوَ يَسْتَطِيع دَفْعهَا إِذَا أَرَادَ , وَلَا هُوَ يَسْتَطِيع صَدّهَا إِذَا

شَاءَ , وَمَا هُوَ , وَلَا قَوْمه مُجْتَمَعَيْنِ بِمُسْتَطِيعِينَ أَنْ يُقَدِّمُوا مِنْ أَمْرهَا شَيْئًا أَوْ يُؤَخِّرُوهُ

فَلَا هُمْ يَتَدَخَّلُونَ تَدَخُّلًا إِرَادِيًّا فِي وُجُودهَا , وَلَّاهُمْ يُسْهِمُونَ فِي تَنْظِيمهَا , وَلَّاهُمْ

يختطون طَرِيقهَا , وَكُلّ مَا تَتَعَرَّض لَهُ وَمَا يُوَاجِههَا مِنْ دَوَافِع أَوْ مَوَانِع , أَوْ مُنَشِّطَات

أَوْ مُعَوِّقَات , وَمَا تَأْخُذ وَمَا تَدَع , وَمَا تَفْعَل موما تَنْفَعِل , وَمَا يَنَالهَا بِكُلّ أُولَئِكَ

مِنْ تَغَيُّر وَتَحَوُّل , أَوْ تَوَسُّع وَتَبَسُّط , أَوْ تَوَقُّف وَتَعَطُّل , لَا يَكُون شَيْء مِنْهُ إِلَّا مِنْ

نَتَائِج اَلْعَقْل اَلْجَمْعِيّ , وَمُقْتَضَيَات اَلْوُجُود التجمعي , وَهُوَ مَالًا يَنْفِي فِيهِ مَنْطِق

اَلْأَفْرَاد وَلَا يَثْبُت , وَلَا تُعْطَى فِيهِ إِرَادَتهمْ وَلَا تُمْنَع , وَلَنْ يُغَيِّرُوا أَبَدًا مِنْ وَاقِع

اَلْقَوَانِين اَلِاجْتِمَاعِيَّة اَلثَّابِتَة اَلْمُطَّرِدَة.

وَبِحَسْبنَا هَذِهِ اَلْخَاصَّة مِنْ خَوَاصّ اَلنُّظُم اَلِاجْتِمَاعِيَّة نُطَبِّقهَا عَلَى اَللُّغَة اَلَّتِي هِيَ إِحْدَى

تِلْكَ اَلظَّوَاهِر اَلْجَمَاعِيَّة. . . وَنَعْتَدْهَا جِهَازًا فَاحِصًا , يَكْشِف عَمَّا قَدَّمْنَا مِنْ رَأْي فِي وَضْع

اَللُّغَة , إِذَا مَا عَرَضْنَاهَا عَلَيْهِ , وَسَلَّطْنَا عَلَيْهَا أَشِعَّته اَلْكَاشِفَة , فَنَتَبَيَّن سَرِيعًا وَفِي

وُضُوح أَنَّ مَا زَعَمَهُ اَلزَّاعِمُونَ مِنْ عَمَل اَلْأَفْرَاد , أَوْ اَلْكَثْرَة , فِي تَكْوِينهَا وَوَضْعهَا لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت