الصفحة 25 من 64

يُؤَيِّدهُ شَيْء مِنْ طَبِيعَة اَللُّغَة.

وَسَيَتَبَيَّنُ لَنَا كَذَلِكَ بِأَسْرَع وَأَوْضَح مِمَّا سَبَقَ أَنْ إِدْرَاك هَذَا اَلْفَرْد اَلْمُمْتَاز , أَوْ اَلْكَثْرَة

اَلْحَكِيمَة لِمُسْتَقْبَل اَللُّغَة , وَاحْتِيَاطهمْ لِآخِر أَمْرهَا , وَمُتَوَقَّع مُسْتَقْبَلهَا بِأَحْوَال فِي

كَلِمَاتهَا , أَوْ صِفَات فِي جُمَلهَا , أَوْ مَا إِلَى ذَلِكَ مِنْ تَفْسِير لِاسْتِعْمَالِهَا أَوْ تَحْسِين فِي

حَالهَا , وَتَكْمِيل لِوُجُودِهَا , عَلَى نَحْو مَا سَمِعَا اَلْكَثِير مِنْهُ قَرِيبًا. . كُلّ ذَلِكَ لَا

تَحْتَمِل تَصْدِيقه طَبِيعَة اَللُّغَة عَلَى مَا عَرَّفَهَا اَلْبَحْث اَلِاجْتِمَاعِيّ , فَلَيْسَ لِوَضْع اَلْوَاضِع

اَلْأَوَّل , بِحِكْمَتِهِ وَحَسَن تَأْتِيهِ - وُجُود. . وَلَا سَنَد.

وَيَلِي ذَلِكَ بِطَبِيعَة اَلْحَال أَنَّ هَذَا اَلَّذِي اِصْطَنَعُوا مِنْ عِلْم سُمُوّهُ"عِلْم اَلْوَضْع"يَصِف

بِطَرِيق نَظَرِيَّة اِحْتِمَالِيَّة صَنِيع هَذَا اَلْوَضْع اَلْأَوَّل وَيُنَسِّقهُ , وَيُفَسِّرهُ , وَيَجْرِي اَلْخِلَاف

بِشَأْنِهِ بَيْن عُلَمَائِنَا وَتُحَفَّظهُ كُتُب وَتُفْرَد لَهُ دِرَاسَة. . كُلّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْبَلهُ اَلْمَنْهَج

اَلِاجْتِمَاعِيّ , و لَا يُحْتَمَل أَنْ يُقِرّ فِيهِ شَيْئًا , أَوْ يُفْسِح صَدْره , لِقَلِيل مِنْهُ أَوْ كَثِير

لِأَنَّ اَللُّغَة عِنْده - كَمَا سَمِعَتْ - لَيْسَتْ إِلَّا نَشَاطًا اِجْتِمَاعِيًّا , وَلَا اِجْتِهَادًا عَقْلِيًّا ,

وَتَدْبِيرًا مَنْطِقِيًّا. . وَلَا مَجَال لِعَمَل اَلْفَرْد أَوْ اَلْأَفْرَاد فِيهَا إِلَّا مَا قَدْ يَكُون مِنْ

تَأْثِير لِنَفْسِيَّاتِهِمْ , أَوْ شُؤُونهمْ اَلْعَمَلِيَّة اَلْحَيَوِيَّة عَلَى هَذَا اَلنِّظَام اَللُّغَوِيّ , اَلَّذِي

أُنْتِجهُ اَلْعَقْل اَلْجَمَاعِيّ , فَبَرَزَ فِي اَلدُّنْيَا كَائِنًا حَيًّا بَيْن سَائِر اَلْكَائِنَات , مَادِّيَّة

وَمَعْنَوِيَّة , يَتَأَثَّر بِهَا وَيُؤَثِّر فِيهَا , إِذْ يَتَفَاعَل مَعَهَا , فَيَكُون ذَلِكَ فِي حَيَاة اَلظَّاهِرَة

اَللُّغَوِيَّة مَعَ اَلظَّوَاهِر اَلْأُخْرَى لِلْجَمَاعَةِ مِنْ نِظَام سِيَاسِيّ , أَوْ نِظَام اِقْتِصَادِيّ أَوْ نِظَام

دِينِيّ. . . وَمَا إِلَى ذَلِكَ. . وَيَظْهَر أَثَر اَلتَّفَاعُل بَيْن اَللُّغَة وَسِوَاهَا فِي حَيَاتهَا و

تَغَيُّرهَا , وَسَيْر اَلزَّمَان بِهَا.

وَيَجْرِي هَذَا اَلتَّفَاعُل وَالِانْفِعَال طِبْقًا لِلسُّنَنِ اَلِاجْتِمَاعِيَّة اَلَّتِي يَكْشِفهَا هَذَا اَلدَّرْس

اَلِاجْتِمَاعِيّ , فَتَتَبَدَّى لَهُ قَوَانِينهَا ثَابِتَة , مَاضِيَة , مُطَّرِدَة , لَا بُدّ لِأَحَد

بِالتَّغْيِيرِ فِيهَا. . وَإِذَا مَا اِسْتَقَرَّتْ هَذِهِ اَلْحَقِيقَة مِنْ خَصَائِص اَللُّغَة بِمَا هِيَ نِظَام

اِجْتِمَاعِيّ , اِتَّضَحَ لَنَا أَنَّ اَللُّغَات اَلصِّنَاعِيَّة اَلْمَبْنِيَّة عَلَى خَطّه مَنْطِقِيَّة , قَدْ وَضَعَتْ

مُقَدَّمًا , غَيْر مُمْكِنَة اَلْوُقُوع إِلَّا إِذَا كَانَتْ لُغَات خَاصَّة: لُغَات فَنِّيَّة , وَلَوَائِح

إِعْلَانَات , فَفِي هَذِهِ اَلْحَال يَكْفِي اَلِاتِّفَاق بَيْن اَلْأَشْخَاص اَلْمَعْدُودِينَ اَلَّذِينَ

يَسْتَعْمِلُونَهَا لِلِاحْتِفَاظِ بِهَا كَمَا خَلَقَتْ دُون تَغْيِير.

اَلنَّتَائِج

1 -لَيْسَ مِنْ اَلْمُسْلِم اَلْقَوْل بِأَنَّ اَللُّغَة اَلْعَرَبِيَّة تَكَوَّنَتْ بِالْوَضْعِ عَلَى اَلنَّحْو اَلَّذِي

سَمِعْنَا مِنْهُمْ شَرْحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت