فهرس الكتاب
يُؤَيِّدهُ شَيْء مِنْ طَبِيعَة اَللُّغَة.
وَسَيَتَبَيَّنُ لَنَا كَذَلِكَ بِأَسْرَع وَأَوْضَح مِمَّا سَبَقَ أَنْ إِدْرَاك هَذَا اَلْفَرْد اَلْمُمْتَاز , أَوْ اَلْكَثْرَة
اَلْحَكِيمَة لِمُسْتَقْبَل اَللُّغَة , وَاحْتِيَاطهمْ لِآخِر أَمْرهَا , وَمُتَوَقَّع مُسْتَقْبَلهَا بِأَحْوَال فِي
كَلِمَاتهَا , أَوْ صِفَات فِي جُمَلهَا , أَوْ مَا إِلَى ذَلِكَ مِنْ تَفْسِير لِاسْتِعْمَالِهَا أَوْ تَحْسِين فِي
حَالهَا , وَتَكْمِيل لِوُجُودِهَا , عَلَى نَحْو مَا سَمِعَا اَلْكَثِير مِنْهُ قَرِيبًا. . كُلّ ذَلِكَ لَا
تَحْتَمِل تَصْدِيقه طَبِيعَة اَللُّغَة عَلَى مَا عَرَّفَهَا اَلْبَحْث اَلِاجْتِمَاعِيّ , فَلَيْسَ لِوَضْع اَلْوَاضِع
اَلْأَوَّل , بِحِكْمَتِهِ وَحَسَن تَأْتِيهِ - وُجُود. . وَلَا سَنَد.
وَيَلِي ذَلِكَ بِطَبِيعَة اَلْحَال أَنَّ هَذَا اَلَّذِي اِصْطَنَعُوا مِنْ عِلْم سُمُوّهُ"عِلْم اَلْوَضْع"يَصِف
بِطَرِيق نَظَرِيَّة اِحْتِمَالِيَّة صَنِيع هَذَا اَلْوَضْع اَلْأَوَّل وَيُنَسِّقهُ , وَيُفَسِّرهُ , وَيَجْرِي اَلْخِلَاف
بِشَأْنِهِ بَيْن عُلَمَائِنَا وَتُحَفَّظهُ كُتُب وَتُفْرَد لَهُ دِرَاسَة. . كُلّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْبَلهُ اَلْمَنْهَج
اَلِاجْتِمَاعِيّ , و لَا يُحْتَمَل أَنْ يُقِرّ فِيهِ شَيْئًا , أَوْ يُفْسِح صَدْره , لِقَلِيل مِنْهُ أَوْ كَثِير
لِأَنَّ اَللُّغَة عِنْده - كَمَا سَمِعَتْ - لَيْسَتْ إِلَّا نَشَاطًا اِجْتِمَاعِيًّا , وَلَا اِجْتِهَادًا عَقْلِيًّا ,
وَتَدْبِيرًا مَنْطِقِيًّا. . وَلَا مَجَال لِعَمَل اَلْفَرْد أَوْ اَلْأَفْرَاد فِيهَا إِلَّا مَا قَدْ يَكُون مِنْ
تَأْثِير لِنَفْسِيَّاتِهِمْ , أَوْ شُؤُونهمْ اَلْعَمَلِيَّة اَلْحَيَوِيَّة عَلَى هَذَا اَلنِّظَام اَللُّغَوِيّ , اَلَّذِي
أُنْتِجهُ اَلْعَقْل اَلْجَمَاعِيّ , فَبَرَزَ فِي اَلدُّنْيَا كَائِنًا حَيًّا بَيْن سَائِر اَلْكَائِنَات , مَادِّيَّة
وَمَعْنَوِيَّة , يَتَأَثَّر بِهَا وَيُؤَثِّر فِيهَا , إِذْ يَتَفَاعَل مَعَهَا , فَيَكُون ذَلِكَ فِي حَيَاة اَلظَّاهِرَة
اَللُّغَوِيَّة مَعَ اَلظَّوَاهِر اَلْأُخْرَى لِلْجَمَاعَةِ مِنْ نِظَام سِيَاسِيّ , أَوْ نِظَام اِقْتِصَادِيّ أَوْ نِظَام
دِينِيّ. . . وَمَا إِلَى ذَلِكَ. . وَيَظْهَر أَثَر اَلتَّفَاعُل بَيْن اَللُّغَة وَسِوَاهَا فِي حَيَاتهَا و
تَغَيُّرهَا , وَسَيْر اَلزَّمَان بِهَا.
وَيَجْرِي هَذَا اَلتَّفَاعُل وَالِانْفِعَال طِبْقًا لِلسُّنَنِ اَلِاجْتِمَاعِيَّة اَلَّتِي يَكْشِفهَا هَذَا اَلدَّرْس
اَلِاجْتِمَاعِيّ , فَتَتَبَدَّى لَهُ قَوَانِينهَا ثَابِتَة , مَاضِيَة , مُطَّرِدَة , لَا بُدّ لِأَحَد
بِالتَّغْيِيرِ فِيهَا. . وَإِذَا مَا اِسْتَقَرَّتْ هَذِهِ اَلْحَقِيقَة مِنْ خَصَائِص اَللُّغَة بِمَا هِيَ نِظَام
اِجْتِمَاعِيّ , اِتَّضَحَ لَنَا أَنَّ اَللُّغَات اَلصِّنَاعِيَّة اَلْمَبْنِيَّة عَلَى خَطّه مَنْطِقِيَّة , قَدْ وَضَعَتْ
مُقَدَّمًا , غَيْر مُمْكِنَة اَلْوُقُوع إِلَّا إِذَا كَانَتْ لُغَات خَاصَّة: لُغَات فَنِّيَّة , وَلَوَائِح
إِعْلَانَات , فَفِي هَذِهِ اَلْحَال يَكْفِي اَلِاتِّفَاق بَيْن اَلْأَشْخَاص اَلْمَعْدُودِينَ اَلَّذِينَ
يَسْتَعْمِلُونَهَا لِلِاحْتِفَاظِ بِهَا كَمَا خَلَقَتْ دُون تَغْيِير.
اَلنَّتَائِج
1 -لَيْسَ مِنْ اَلْمُسْلِم اَلْقَوْل بِأَنَّ اَللُّغَة اَلْعَرَبِيَّة تَكَوَّنَتْ بِالْوَضْعِ عَلَى اَلنَّحْو اَلَّذِي
سَمِعْنَا مِنْهُمْ شَرْحه.