فهرس الكتاب
ذَلِكَ , أَمْ لَمْ تَبْلُغهُ بَعْد فَإِنَّمَا يَعْنِينَا أَنْ نَعْرِف فِي جَلَاء وَوُضُوح وَبِالْأَمْثِلَةِ
وَالشَّوَاهِد وَمَاذَا كَانَ مِنْ أَمْرهَا فِي سَيْر اَلْحَيَاة بِهَا. . . وَهُوَ مَا نُسَمِّيه تَطَوَّرَ
اَلْعَرَبِيَّة بِلِسَان اَلْبَحْث اَلْيَوْم. .
وَالتَّطَوُّر: كَمًّا لَابُدَّ أَنْ تَعْرِفُوا هُوَ اَلْأَصْل اَلتَّجْرِيبِيّ لِفَهْم سِيَر اَلْحَيَاة
بِالْكَائِنَاتِ اَلْحَيَّة عَلَى اِخْتِلَافهَا وَعَلَى هَذَا اَلْأَصْل يَتَحَدَّث اَلْبَاحِثُونَ فِي اَللُّغَات
اَلْيَوْم عَنْ اَلتَّطَوُّر اَللَّاغِي نَفْسه وَتَطَوُّر اَللُّغَة , فَالصَّوْت وَجِهَازه فِي اَلْإِنْسَان
يَتَطَوَّر تَطَوُّرًا طَبِيعِيًّا مُطَّرِدًا. . وَبِذَلِكَ تَتَطَوَّر اَلْأَصْوَات اَللُّغَوِيَّة فِي اَلْأَحْرُف اَلَّتِي
تُمَثِّلهَا وَيَتَطَوَّر مَعَهَا تَأْلِيف اَلْكَلِم وَمَعَ تَطَوُّر اَللَّاغِي وَتَأْثِيره فِي اَللُّغَة تَفْعَل
اَلْحَيَاة مَا تَفْعَل بِظَوَاهِرِهَا اَلْمُخْتَلِفَة فِي تَطَوُّر اَللُّغَة , سَوَاء فِي ذَلِكَ اَلظُّرُوف
اَلْمَادِّيَّة وَالظُّرُوف اَلْمَعْنَوِيَّة فَالْبِيئَة اَلطَّبِيعِيَّة اَلْمَادِّيَّة اَلَّتِي تَعِيش فِيهَا اَللُّغَة
تُؤَثِّر فِي تَطَوُّرهَا وَالظُّرُوف اَلنَّفْسِيَّة اَلْعَاطِفِيَّة وَالْعَقْلِيَّة لِمُتَكَلِّمِي اَللُّغَة تُؤَثِّر فِي
تَطَوُّر اَللُّغَة. . . وَأَنْمَاط اَلْحَيَاة اَلَّتِي يحياها مُتَكَلِّمُو اَللُّغَة تُؤَثِّر فِي تَطَوُّر
اَللُّغَة فَدِين أَهْلهَا وَحُكُومَتهمْ وَعِلْمهمْ وَفَهْم وَجَدَهُمْ وَلَهْوهمْ كُلّهَا وَسَوَّاهَا اؤثر
فِي اَللُّغَة وَتَوْجِيههَا وَتَعْمَل فِي تَطَوُّرهَا وَتَوَارَثَ اَللُّغَة بَيْن أَجْيَال يُغَيِّر اَللُّغَة
وَيُؤَثِّر فِي تَطَوُّرهَا. . . وَيَتَجَسَّم فِي هَذِهِ اَلْمَجَالَات مَا يُحَدِّثُونَ بِهِ جُمْلَة عَنْ شِدَّة
حَسَاسِيَة اَللُّغَة وَأَنَّهَا فِي ذَلِكَ أَدَقّ اَلظَّوَاهِر اَلِاجْتِمَاعِيَّة وَأَسْرَعهَا تُغَيِّرَا وَأُحَسِّسهَا
تَأَثُّرًا فَكُلّ نبأة وَهَمْسَة فِي حَيَاة اَلْجَمَاعَة اَلَّتِي تَتَكَلَّم لُغَة تَتْرُك أَثَرهَا فِي هَذِهِ
اَللُّغَة اَلْمُتَكَلِّمَة وَتُغَيِّر مِنْ حَالهَا وَتُحَدِّث أَثَرهَا فِي تَطَوُّرهَا.
ثُمَّ بَيْن اَللُّغَات نَفْسهَا صِرَاع كَمَا بَيْن أَفْرَاد وَالْجَمَاعَات وَالتَّفَاعُل اَللُّغَوِيّ عَامِل
فَعَّال بَعِيد اَلْفَاعِلِيَّة فِي تَطَوُّر اَللُّغَة وَكُلّ أُولَئِكَ يَتَنَاوَلهُ اَلدَّرْس اَلْمُتَتَبِّع
اَلْمُسْتَقْصِي اَلْمُتَعَمِّق اَلْمُجَرِّب اَلْمُسْتَعِين بِوَسَائِل اَلْفَحْص اَلْعِلْمِيَّة وَالْمَادِّيَّة اَلضَّابِطَة
اَلْمُسَجَّلَة. . .
وَلِهَذَا اَلدَّرْس فَرَوَّعَ تَتَنَاوَل اَلنَّوَاحِي اَلْمُخْتَلِفَة اَلَّتِي أَشَرْنَا إِلَى غَيْر قَلِيل مِنْهَا
أَلْفًا وَالْمَجَال ينفسح إِلَى اَلْمُقَارَنَات وَالْمُقَابَلَات اَللُّغَوِيَّة بِطَاقَة بَعِيدَة اَلْأُفُق
هَائِلَة اَلْمُقَدِّرَة مَبْذُول لَهَا اَلْجُهْد وَالْمَال وَالْوَقْت فِي حَال تُشْعِرنَا بِأَنَّ مَا حَدَثَ
بِهِ اَلْقَوْم قَدِيمًا وَصُوَرًا مِنْ اَلْحَدِيث عَنْ تَهْذِيب اَلْعَرَبِيَّة أَوْ تَنْقِيحهَا فِيمَا حَدَثَ بِهِ
اَلْمُتَأَخِّرُونَ لَيْسَ مِنْ جَدّ اَلْقَوْل اَلَّذِي يُوقَف عِنْده بِشَيْء وَالْمَوْضُوع يَحْتَاج إِلَى
اَلِاسْتِعَانَة بِهَذِهِ اَلطَّاقَة بَلْ اَلطَّاقَات اَلْجَبَّارَة اَلَّتِي تَتَوَلَّى اَلدَّرْس اَللُّغَوِيّ ثُمَّ
هُوَ مُحْتَاج إِلَى مَنَاهِجهَا وَيَحْتَاج أَشَدّ اَلِاحْتِيَاج وَأَسْبَقه إِلَى اَلشُّعُور بِفَرْضِيَّتِهِ
عَلَيْنَا وَلُزُومه لَنَا وَهُوَ مَا نُحَاوِل اَللَّفْت إِلَيْهِ وَالدَّفْع نَحْوه وَنَتَفَاءَل بَعْض