الصفحة 38 من 64

كَمَال اَللُّغَة

وَاَلَّذِينَ قَدْ أَضْفَوْا عَلَى وَاضِع اَللُّغَة اَلْبُدَائِيّ مِنْ اَلْحِكْمَة وَالْقُدْرَة مَا سَمِعْنَا خَبَره

وَهُمْ كَمَا نَعْرِف يَعِيشُونَ فِي عَصْر يَحْكُم فِيهِ اَلْغَيْبِيَّة لَيْسَ بَعِيدًا أَنْ يُضِيفُوا عَلَى

اَللُّغَة مِنْ اَلْفَضْل وَالْكَمَال شَيْئًا كَثِيرًا وَلَيْسَ بِالْبَعِيدِ أَيْضًا أَنْ يُؤَيِّدهَا هَذَا

اَلْكَمَال وَالْفَضْل بِمَا يُمْكِن أَنْ يُؤَيِّدُوهُ مِنْ اَلِاعْتِبَارَات اَلدِّينِيَّة وَالْمَعَانِي

الآلهية كَمَا سَنَرَى.

وَنَبْدَأ مِنْ ذَلِكَ بِالتَّفْضِيلِ اَلدِّينِيّ اَلْمَنْشَأ لِهَذِهِ اَلْعَرَبِيَّة اَلْكَامِلَة وَهُوَ مَا كَانَ

مُنْذُ عَصْر مَكْر إِذْ نَسْمَع اَلشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اَللَّه يَقُول فِي"رِسَالَته"اَلْمَعْرُوفَة فِي

اَلْأُصُول"فَإِذَا كَانَتْ اَلْأَلْسِنَة مُخْتَلِفَة بِمَا لَا يُفْهِمهُ بَعْضهمْ عَنْ بَعْض فَلَابُدَّ أَنْ"

يَكُون بَعْضهمْ تَبَعًا لِبَعْض وَأَنْ يَكُون أَهْل لِسَانه اِبْتَاعَا لِأَهْل لِسَان غَيْر لِسَانه فِي

حَرْف وَاحِد بَلْ كُلّ لِسَان تَبَع لِلِسَانِهِ وَكُلّ أَهْل دِين قَبْله اِبْتَاعَ دِينه وَتَتَنَاثَر فِي

اَلرِّسَالَة أَفْكَار لِلشَّافِعِيِّ تَدُور جُمْلَتهَا حَوْل أُمُور هِيَ: -

1 -أَنَّ لِسَان اَلْعَرَب وَاسِع سِعَة بَيْنه قَدْ تَكُون خَاصَّة لَهُ دُون غَيْره.

2 -أَنَّ اَلْقُرْآن قَدْ نَزَلَ بِلِسَان اَلْعَرَب خَالِيًا مِنْ كُلّ لِسَان غَيْر لِسَان اَلْعَرَب وَكُلّ

هَدًّا يَخْدِم اَلْفِكْرَة اَلتَّالِيَة وَهِيَ:

3 -أَنَّ اَلْأَلْسِنَة تتفاضل وَأَفْضَلهَا لِسَان اَلنَّبِيّ كَمَا أَنَّ دِينه أَفْضَل اَلْأَدْيَان وَمِثْل

هَذَا اَلِاتِّجَاه هُوَ اَلَّذِي نَثَرَ فِي اَلْجَوّ مَا نَسْمَع مِنْ تَفْضِيل دِينِيّ اَلْمَنْشَأ لِلْعَرَبِيَّةِ

لَوْنهَا لِسَان أَهْل اَلْجَنَّة وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ وَعَنْ هَذَا وَنَحْوه اِسْتَقَرَّ فِي اَلنُّفُوس مَا

لِلُّغَةِ اَلْعَرَبِيَّة مِنْ صِفَة دِينِيَّة وَأَنَّ مَسَاسهَا بِإِصْلَاح - مَهْمَا يَكُنْ شَأْنه يَحْتَوِي

دَائِمًا عَلَى مُخَالَفَة اَلدِّين وَعَدَم اِحْتِرَام لِصِفَة اَلْعَرَبِيَّة اَلدِّينِيَّة لُغَة اَلْقُرْآن

وَتَظَلّ تَنْمِي ذَلِكَ ظُرُوف اِجْتِمَاعِيَّة بَرِيئَة حِينًا وَغَيْر بَرِيئَة حِينًا وَنَظَلّ نَسْمَعهُ عِنْد

اَلْمُحْدَثِينَ فِي همهمة لَاهُوتِيَّة تَخْلُب بِعِبَارَتِهَا اَلْفَنِّيَّة فَنَنْشُر اَلظِّلَال وَتَنْثُر

اَلْبَخُور إِلَى اَلْمُخَدِّر إِلَى غَيْر حَدّ مَعْرُوف كَاَلَّذِي تَقْرَؤُهُ فِي مِثْل.

"هَذَا فَصْل مِنْ اَلْكَلَام نَرْمِي فِيهِ إِلَى أَقْصَى غَايَات اَلْعَقْل اَلْعَرَبِيّ فِي اَلْحَيَاة"

وَأَدْنَى آفَاقه مِنْ اَلْخُلُود إِذَا نَصَّفَ مَبْلَغ مَا أنتهى إِلَيْهِ مِنْ اَلْكَمَال فِي وَضْع هَذِهِ

اَللُّغَة وَإِحْكَامهَا عَلَى سُنَن كَيْفَمَا تَدَبَّرَتْهَا رَأَيْت فِيهَا اَلْمَعْنَى اَلْإِلَهِيّ اَلَّذِي

لَا دَلِيل عَلَيْهِ إِلَّا شُعُور اَلنَّفْس وَالنَّفْس هِيَ اَلْبَقِيَّة اَلسَّمَاوِيَّة فِي اَلْإِنْسَان تِلْكَ

اَلسِّنِينَ اَلَّتِي خَرَجَتْ بِهَا اَللُّغَة كَأَنَّهَا عَقْل حَتَّى تتلامح فِي جِهَات اَلْحِكْمَة خطراته

وَتَتَرَاسَل مِنْ أَعْيُن اَلْوَحْي نَظَرَاته بَلْ كَأَنَّهَا مَعْنَى إِلَهِيّ مُبْتَكَرًا أُلْقِيَ فِي هَذِهِ

اَلطَّبِيعَة فَيَتَحَوَّل بِهِ وَجْه اَلْعَالَم إِلَى جِهَة اَللَّه , فَمَا زَالَ يَتَكَشَّف مِنْ أَطْرَافه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت