فهرس الكتاب
مِنْ قَبْل قَوْل اَلْقَائِل عَنْ اَلْعَامِّيَّة.
وَكَانَ منشئوها مِنْ اِضْطِرَاب اَلْأَلْسِنَة وخبالها وانتقاض عَادَة اَلْفَصَاحَة وَكَانَ رِجَال
اَلْعَرَبِيَّة فِي وِزَارَات اَلْمَعَارِف اَلْعَرَبِيَّة إِلَى عَهْد غَيْر بَعِيد يَعْتَبِرُونَ لُغَة اَلْحَيَاة
ذَلِكَ اَلِاعْتِبَار اَلْوَبَائِيّ وَيُطَارِدُونَهَا مُطَارَدَة قَاسِيَة فِي مُحَادَثَة لِتَلَامِيذ حَتَّى
اَلْأَطْفَال مِنْهُمْ وَفِي حَدِيث أُولَئِكَ وَكِتَابَاتهمْ وَلَا يَدْعُونَ فِي هَذِهِ اَلْمُطَارَدَة شَيْئًا
مِنْ اَلْهَوَادَة أَوْ التسمح يُعِين عَلَى عَقْد هُدْنَة بَيْن اَللُّغَتَيْنِ أَوْ يهيء لِلْفُصْحَى
نَفْسهَا فُرْصَة اَلِاسْتِفَادَة بِشَيْء مِنْ تَوْسِيط تِلْكَ اَللُّغَة اَلْحَيَّة اَلْعَامَّة.
وَكَانَ اَلرَّأْي اَلسَّائِد إِلَى مَدَى قَرِيب أَنَّ اَلْقَضَاء عَلَى هَذِهِ اَللُّغَة اَلْحَيَّة وَاجِب مُقَدَّس
وَفَرْض عَيْن وَكَانَ ذَلِكَ اَلْقَضَاء يَبْدُو مُمْكِنًا لِأَصْحَاب اَلْعَرَبِيَّة فِي كُلّ مَجَال بَلْ مَازَالَ
هَذَا هُوَ مَنْطِق اَلْإِخْصَائِيِّينَ اَلْمَجْمَعِيِّينَ إِلَى عَهْد قَرِيب أَيْضًا وَلَعَلَّهُ قَدْ تَغَيَّرَ أَخِيرًا
عِنْد بَعْضهمْ لَا عِنْدهمْ جَمِيعًا.
وَكَذَلِكَ كَانَ اَلتَّأْلِيف وَالتَّفْكِيك وَالتَّنْظِيم لِتَعْلِيم اَلْعَرَبِيَّة يُعَادِي فِكْرَة اَلتَّطَوُّر
وَيُنْكِر كُلّ مَظْهَر لَهَا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَشْعُر بِالتَّطَوُّرِ أَوْ يَخْدِمهُ بِالدَّرْسِ أَوْ مَا يُشْبِههُ
حَتَّى هَبَّتْ رِيَاح فَنِّيَّة وَاجْتِمَاعِيَّة تَشَجَّعَتْ عَلَى مُخَالَفَة هَذِهِ اَلْخُطَّة فَتُغَيِّر اَلِاتِّجَاه
نَوْعًا مَا وَإِنْ كَانَ لَا يَزَال فِي اَلْمَيْدَان اَلْيَوْم مَنْ لَا يُدَنْدِن إِلَّا بِالْفِكْرَةِ
اَلْقَدِيمَة فِي إِبَادَة لُغَة اَلْحَيَاة وَإِنْكَار أَنْ يَكُون لَهَا فَنّ قَوْلِي. . . بَلْ إِنْكَار
أَنْ يَكُون لَهَا - فِي وَاقِع اَلْأَمْر - صِفَة اَللُّغَة أَوْ شَيْئًا مِنْ صِلَة بِمَا يُسَمُّونَهُ
اَلْفُصْحَى وَلَا نُطِيل بِبَيَان شَيْء مِنْ هذ اَلْعَوَامِل لَأَنَّتْ لَسْنَا فِي مَجَال اَلْحَيَاة
اَللُّغَوِيَّة بِقَدْر مَا نَحْنُ مَعْنِيُّونَ بِتَفَهُّم مُشْكِلَاتهمْ وَاللِّفْت إِلَى مَا يُبَصِّر
بِأَسْبَابِهَا وَيَهْدِي إِلَى اَلتَّوْفِيق فِي عِلَاجهَا - وَقَدْ آثَرْنَا فِي ذَلِكَ اَلْعِنَايَة
بِالتَّطَوُّرِ قَبْل غَيْره مِنْ تَصْحِيحَات اَلْمَنْهَج.
وَعَلَى رَغْم مَا فِي اَلْبِيئَات اَلْعَامَّة مِنْ ازورار عَنْ اَلتَّطَوُّر كَمَا رَأَيْنَا فَقَدْ ظَهَرَ
تَأْلِيف عَنْ فِكْرَة نَاضِجَة فِي اَلتَّطَوُّر نَفْسهَا لُبْنَان وَتَبَنَّتْهَا مِصْر وَفِيهَا طُبِعَتْ وَلَمْ
تَتَأَثَّر بِهَا هَذِهِ اَلْبِيئَات اَلْعَامَّة وَلَمْ يُبَدِّلهَا فِيهَا تَوْجِيه وَسَنَعْرِضُ لَهَا قَرِيبًا
وَنَقِف عِنْدهَا طَوِيلًا بَعْد اَلْحَدِيث عَنْ:
اَلتَّطَوُّر فِي اَلْبِيئَات اَلْخَاصَّة: وَهِيَ بِيئَات اَلدَّرْس اَلْعَالِي فَلَا تَحْسَب أَنَّ اَلْمَعَاهِد
غَيْر اَلْجَامِعَة كَدَار اَلْعُلُوم أَوْ اَلْأَزْهَر مَثَلًا مَنْ اِتَّجَهَ إِلَى شَيْء مِنْ أَمْر هَذَا
اَلتَّطَوُّر اَللُّغَوِيّ - لِأَنَّ هَؤُلَاءِ اَلْقَوْم فِي اَلْمَعْهَدَيْنِ يُضْفُونَ عَلَى اَللُّغَة مِنْ
اَلِاعْتِبَارَات اَلْقُدْسِيَّة اَلدِّينِيَّة وَالتَّفْضِيل اَلْمُسْرِف يَتَّجِهُونَ وَأَمَّا اَلْجَامِعَات فَأَنَّ
جَامِعَة اَلْقَاهِرَة وَهِيَ أَقْدَمهَا - قَدْ سَبَقَتْ كُلِّيَّة اَلْآدَاب فِيهَا بِنَشَاط قِسْم اَللُّغَة