وكانت الدولة العربية في الأندلس تحتضن الحواضر العلمية في كل من إشبيلية وغرناطة وطليطلة وقرطبة، فانتشرت الثقافة وكثر التصنيف، وحملت المجامع والجوامع برؤوس التراثيّين الاعلام.
وكان المشرق الإسلامي في حواضره العلمية يغذي الحركة الثقافية بأمداد من فيضه المتدفق في الفقه والحديث والأصول والأدب وعلوم القرآن والتفسير فكان اقليم خوارزم، وخراسان، وجرجان وطبرستان والري حواضر علم، ومحافل شعر، ومقرّات تصنيف وتأليف، ومجامع الفحول من علماء العربية والإسلام.
وكان القرآن الكريم في جميع ما ذكرنا من مدارس وأقاليم ودول ومشاهد هو المتصدر لحلقات الدرس والبحث والاستكشاف العلمي، وكانت الريادة فيه تعني سبر ما في أغواره من عمق، وبيانه من إتساق، وأبعاده من بلاغة، وسوره من إعجاز، وآياته من تأويل وكشف وتفسير.
وتبقى مدارسة القرآن في جدية، واستيعاب جزئياته بنهم، تكوينًا وأصالة من نصيب مكة والمدينة في مرحلة البداية، ومدرستي البصرة والكوفة في مرحلة التأصيل لهذا الفن، وامتد فيما بعد ذلك الشعاع الهادي إلى الحواضر العربية تدريجيًا حتى إستقطبها جميعًا في أبعاد متفاوتة، وكان ما قدمته هذه الحواضر من جهود قرآنية، يصل بها إلى الذروة الصاعدة من بين الجهود الانسانية المبدعة.
ولا غرابة أن تكون مرحلة التكوين لعلم التفسير وقد رسخت النواة الصالحة التي انبثقت عنها مدونات علم التفسير في مرحلة التأصيل، ويمكننا إلقاء الضوء عليها بما يلي:
1 -مدرسة مكة، وكان قوامها بعد النبي وآله وأصحابه: النخبة الرائدة من أصحاب ابن عباس (ت: 68 ه) وابن عباس رأسها. وقد نبغ فيها كنموذج أرقى: مجاهد بن جبر المكي (ت: 100 - 103 ه) وعكرمة مولى ابن عباس (ت: 104 ه) وأمثالهما من الرواد الأوائل، ممن أخذ عن ابن عباس أخذًا حثيثًا متواصلًا.