الصفحة 60 من 125

يقول أهل المنطق، لم يكتب مثله بمستواه دراية ورواية وإجتهادًا للملاحظ الآنفة.

وكان الهدف الرئيسي فيه - كما يبدو من مباحثه - ردّ شبهات الملحدين، وتوحيد صفوف المسلمين، بعد أن نزغ الشيطان بينهم، وتشتّتت الآراء وغلبت الأهواء، وذلك حينما ظهر التصوف مقارنًا للمذهب الفلسفي، فألقى كل منهما بجرانه في ساحة الوطن العربي، وأقطار العالم الإسلامي، فأولى كل منهما للرياضة النفسية والمجاهدة ما أولاها، وقدمها على ما سواها من البحث الموضوعي، فأستخدمت الفلسفة في تفسير النص، والحكمة في إثبات المراد والمسالك الصوفية في تأويل القرآن، وبقي أهل الحديث على قدمهم متعبدين بالظواهر المحضة للرواية، وإن خالفت الكتاب أحيانًا، واصطدمت بنزاهة الرواة، وتشعب الاسانيد، وتابعهم على هذا جملة من المحدثين، فقبعوا على الاختلاف والاسفاف بين وثاقة الرواة والاختلاف، وغزت العزلة المسلمين، فقنعوا بترهات الحياة عن الواقع، ولجأوا بالابتعاد - عن الناس - إلى الفرار، فتذرعوا بتفسير الباطن حينًا، وحجب الظواهر الدلالية في اللغة حينًا آخر، كما تعلقوا بالتأويل الاشاري والمنهج الصوفي بعض الأحايين.

وأناخت فلسفة المتكلمين بكلكلها، وحطت مذاهب الاحتجاج بثقلها، فتعصب كل لقضيته، ونصر كل كلامي مذهبه، فتشتت الحقائق بيد النزعات، وخلد قوم إلى الفلسفة الاغريقية، فأخضعوا القرآن لرياضات مفترضة، فتأولوا كثيرًا من مسلمات الاعتقاد في القرآن: كالحياة بعد الموت، والبعث والنشور، والجنة والنار، وحدوث السماوات والأرض، تأويلًا يلائم عناصر الفلك، وحساب النجوم، وتعدد البروج؛ وهي - بجملتها - مقاييس فجة تتجافى مع طبيعة القرآن التشريعية (1) .

وهنا يبرز دور الشيخ الطوسي في تسخير طاقاته التفسيرية والبيانية والاصولية والفقهية والكلامية في ارساء الاسس التفسيرية المقارنة، وهو بذلك قد أفاد من تجارب المؤصلين، وأضاف من معالم التجديد اللمسات

(1) ظ: المؤلف، المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم: 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت