الأخيرة، جاعلًا من مدرسة الكوفة القرآنية والتشريعية واللغوية مضمارًا لآرائه الثاقبة، ومقارنته الفريدة.
وقد يتصور كثير من الباحثين أن منهجه المتطور هذا مقدمة للعمل بالرأي، وهذا غير وارد على الاطلاق في حق الشيخ الطوسي لأنه لم يعمل بالرأي طرفة عين أبدًا بالمعنى الدقيق للرأي في الاصطلاح التشريعي (1) .
وذلك أن النظر المقترن بالتحكيم الموضوعي بعد الجهد والتمحيص، والقائم على أساس الاستنباط، عملية اجتهادية محضة، والاجتهاد ليس تفسيرًا بالرأي أو عملًا به، وهو الذي يقول به الامامية لأن باب الاجتهاد لديهم مفتوح.
ومن هذه الزاوية الاجتهادية - وان كان مجالها الحقيقي في تطبيقات علمي الفقه والأصول - كان استناد الشيخ الأكبر إلى مدرسة الكوفة في اللغة والنحو من خلال ظاهرتين:
الأولى: اختياره مذهب الكوفيين في جملة مسائل الخلاف في النحو، ومواطن الافتراق في اللغة، ومظاهر التمايز في القراءة، وتنصيصه على ذلك في كل الكتاب.
الثانية: استعماله المصطلحات الدقيقة عند الكوفيين كالتعبير: عن النفي بالجحد، وعن الكسر بالخفض، وعن العطف بالنسق، وعن الحروف بالأدوات، وعن الصفة بالنعت، مما هو مطروح في مباحث الحجة واللغة والاعراب في تفسيره التبيان.
3 -أبو علي، الفضل بن الحسن الطبرسي (ت: 548 ه) في تفسيره الشهير: «مجمع البيان في تفسير القرآن» (2) . وأصل شهرة هذا التفسير مضافًا إلى النية الصادقة أنه طبع عدة مرات قبل تفسير الشيخ الطوسي، ومع ما للطبرسي من المكانة العلمية، والاضطلاع بتصريف شؤون البيان، إلا أنه استند إلى تفسير الطوسي استنادًا حقيقيًا، إن لم
(1) ظ: المؤلف: المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم، مبحث: منهج الرأي: 90 - 97.
(2) طبع عشرات الطبعات، ومن أفضلها طبعة صيدا، 1333.