فهرس الكتاب
ومن أسرار ذلك أنّ الإنسان نسخة جامعة مختصرة من الحضرة الإلهيّة والكونيّة ، وكلّ شيء فيه كلّ شيء وإن لم يتأتّ إدراكه على التعيين لكلّ أحد للقرب المفرط والإدماج الذي توجبه غلبة حكم الوحدة على الكثرة ، فإذا قام شيء بشيء فِي مقام المحاذاة المعنويّة والروحانيّة كالمرآة إمّا منه أو ممّا يناسبه ، صار ذلك القدر من الامتياز والبعد المتوسّط مع المسامتة سببا لظهور صورة الشيء فيما امتاز به عنه ، أو عن مثله فأدرك نفسه فِي الممتاز عنه ، وتأتّى له شهودها لزوال حجاب القرب والأحديّة ، فأحبّ نفسه فِي ذلك الأمر الذي صار مجلاه ، فافهم.
ولهذا المقام أسرار أخر شريفة جدّا لا يقتضي هذا الموضع ذكرها ، وإنّما هذا تنبيه وتلويح.
ثم نقول: وقد قرئ - كما علمت - ملك يوم الدّين ومالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ولكلّ منهما من حيث اللغة معان ينفرد بها لا يشاركه فيها غيره.
وأهل الظاهر قد ذكروا بينهما فروقا شتّى ، ورجّح بعضهم قراءة"ملك"ورجّح آخرون قراءة"مالك"بالألف ، واستدلّ كلّ منهم على صحّة ما اختاره بوجوه تقتضيها اللسان ، ولست ممّن ينقل هنا تفاصيل مقالاتهم غير أنّي أذكر من ذلك ما يفهم منه الفرق بين
الكلمتين ، ليتّضح بذلك حكم اللسان ، ثم أتكلّم بما فتح الحقّ به عليّ فِي ذلك وما يقتضيه ذوقي ، ولو لا قصد تطبيق الأمور الذوقيّة على ما يقتضيه المفهوم من حيث الاصطلاح اللغوي ، لم أورد شيئا من كلام أهل النقل ، ولكن قد استثنيت فِي أول التزامي المذكور فِي مقدّمة الكتاب هذا القدر لهذه الحكمة التي نبّهت عليها ، فأقول: