العلمي وإن استعمل في معنى الاسْتعْمَال مَجَازًا وقال الرَّاغب الشك وقوف النفس بين
شيئين متقابلين بحَيْثُ يترجح أحدهما عَلَى الآخر بأمارة والمرية التردد في المتقابلين وطلب
الأمارة مأخوذ من مري الضرع إذا مسحه للدر فكأنه يحصل مع الشك تردد في طلب ما
يقتضي غلبة الظن والريب أن يتوهم في الشيء أمر ما ثم ينكشف عَمَّا توهم فيه انتهى. وهذا
الفرق باعْتبَار الأصل ولا فرق في الاسْتعْمَال بَيْنَهُمَا.
قوله: (وفي العدلة دع) خطاب عام لمن يصلح أن يخاطب (ما يريبك) بفتح التاء من
الريب أو بضم الياء من الإرابة، فعلى هذا لا فرق بين الريب والإرابة وقد نقل عن أبي زيد أنه
قال يقال رابني من فلان أمر إذا كنت مستيقنًا منه بالريب وإذا أسات به الظن ولم يستيقن منه
بالريب قلت أرابني من فلان أمر هُوَ فيه أرابه والارتياب يجري مجرى الإرابة وعلى هذا الفرق
يتعين في الْحَديث أحدهما والظَّاهر الفتح. والْمَعْنَى أترك ما يريبك أي ما يحصل فيه الريبة والقلق
ذاهبًا أو منتقلًا أو قاعدًا (إلَى ما لايريبك) أي ما لا يحصل فيه القلق والاضطراب(فإن الشك
ريبة)لكن لا مطلقًا بل كون الشيء في نفسه مشكوكًا فيه غير صحيح.
قوله: (ريبة) أي من أفراد ما يقلق النفس ويجعلها مضطربة فالأمر بترك ما يريبك وإن
كان عامًا لكن الْمُرَاد به الشك دون غيره من الخوف والحزن ونحوهما ولذا قال فإن الشك
ريبة (والصدق) أي كون الشيء صادقًا في نفسه من جهة الحل والحسن (طمأنينة) أي مما
تطمئن به النفوس وحاصل الْمَعْنَى اترك ما شككت في حسنه أو حله ولم تظفر بدليل
يكشف عن أحواله وخذ ما تيقنت حله وحسنه واعمل به ونظيره ما ورد في الْحَديث
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وفي الْحَديث:"دع ما يريبك إلَى ما لا يريبك"والْحَديث من رواية الدارمي والنَّسَائي دع
ما يريبك إلَى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة الْمَعْنَى دع ما اعترض لك الشك فيه
منقلبًا إلَى ما لا شك فيه يقال دع ذلك الشيء إلَى غيره أي استبدله به أو دع ذلك ذاهبًا إلَى غيره
وقوله: فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة جاء ممهد لما تقدمه من الْمَعْنَى إذا وجدت نفسك ترتاب
في الشيء فاتركه فإن نفس الْمُؤْمن تطمئن إلَى الصدق وترتاب من الكذب ارتيابك في الشيء منبئ
عن كونه باطلًا فاحذره واطمئنانك إلَى الشيء مشعر بكونه حقًا فاستمك به وهذا مَخْصُوص بذوي
النفوس الشريفة القدسية الطاهرة من أوضار الذنوب وأوساخ الآثام فظهر أن قوله: فإن الشك ريببة لا
يستقيم رواية ولا دراية قال صاحب الكشف وهما ممنوعان أما الدراية فقد بين صاحب الكَشَّاف وجه
الْمَعْنَى بما لا مزيد عليه، وأما الرّوَايَة فلأن إحدى الروايتين لا تبطل الأخرى [تم] كلامه يعني ذكر
صاحب الكَشَّاف وحَقيقَة الريبة قلق النفس واضطرابها ومنه ما روى الحسن بن علي قال سمعت
رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول"دع ما يريبك إلَى ما لا يريك"فإن الشك ريبة وإن الصدق طمأنينة أي فإن
كون الأمر مشكوكًا فيه مما يقلق النفس ولا يستقر وكونه صحيحًا صادقًا مما تطمئن له وتسكن قال
الْجَوْهَريّ الريب الشك والريب ما رابك من أمر والاسم الرّيبة بالكسر وهي التهمة ورابني فلان إذا
رأيت منه ما يريبك وتكرهه وأراب الرجل صار ذا ريبة فهو مريب وارتاب فيه أي شك واستربت منه
إذا رأيت منه ما يريبك وريب المنون حوادث الدهر إلَى هنا كلامه المنون الدهر والمنون أَيْضًا المنية
لأنها تقطع المدد وتنقص العدد من المن بمعنى القطع.