وقد ذكر"بقطينوس الحكيم"- وهو من فضلاء النصارى وعلمائهم - من شأن الله سبحانه مع ملائكته ما إن صح، صلح أن يكون حكمة لهذا.
وقد أشرت إليه في التعليق على الإنجيل.
ولا يسهل علي الآن ذكره.
وحينئذ لا يلزم التناقض بين اقتضاء الطاعة وطلبها وبين كراهة فعلها لأن اقتصاءها خطابي وكراهتها نفسية.
وقد يوجد هذا من البخلاء كثيرًا حيث يقول أحدهم لصاحبه: إذن فكل معي يحمده وهو يكره ذلك منه لئامة وبخلا، وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين الأمر بالشيء والنهي عنه، لأن الأمر والنهي خطابان محلهما اللسان، نحو افعل لا تفعل. بخلاف الكراهة فإن محلها النفس، فلا تناقض الأمر.
وأما ما ذكر من نصوص كتب الأنبياء فحق نقول به.
وقد ورد به شرعنا، فإن الإنسان له قدرة واختيار يكتسب بهما، لكنهما تابعان لقدرة الله واختياره، فهما ناقصان نقص التبعية، وكون الشيء ناقصا لا يقدح في وجود مسماه، إنما يقدح في تمامه وكماله.
وأما المثل الذي شنع به من ربط الشخص وإلقائه من جبل ثم يقال له: ارجع وإلا عاقبتك، فليس نظير ما نحن فيه، لأن هذا إلجاء محض، وقسر صرف، وصاحبه جائر قاسط، وتعالى الله وحاشاه أن يفعل هذا، وإنما الله سبحانه لطيف لما يشاء، فتلطف على بلوغ مراده من شقاوة من أراد شقوته من خلقه على وجه لا يلجئهم إلى مراده، ولا يهملهم حتى يخرجوا من تحت قهره وقدرته، وسلط على عبده نفسا أمارة، وهوى داعيا، وشيطانا مزينا للشهوات، وفي مقابلة هذه روحا وعقلاً ودينا، فالقبيلان كجيشين متضادان على فعل الشر وتركه، ويترجح أحدهما بالتوفيق أو الخذلان.
ثم قطع حجته بأن قال: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)
يعني طريق الخير والشر، ليجتلب ويجتنب فإذا أراد اللّه سبحانه شقاوة عبده، خذله فيرجح جيش شيطانه، وإذا أراد إسعاده وفقه فيرجح جيش عقله، والتوفيق والخذلان للإنسان في مدة عمره، كالخفير، وقاطع الطريق في مسافة سفره، فكما أنك إذا استرشدك من لك به عناية عن طريق، أريته جهته، ثم سيرت معه غلامك، أو سرت معه، بنفسك، فخفرته فيها من أن يضل
عنها، أو يطأ فيها مهلكا، أو يقع في مغارة، حتى يقطعها إلى مقصده.
وإن لم يكن لك به عناية، قلت له: هذا الطريق. ثم تركته بلا تخفير، فمر على عماه، فوقع على سبع فافترسه، أو لص فقتله، أو مهلك فتلف فيه، أو مفازة فمات عطشا.