{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} [مريم: 8] أي: قلب بهذه الصفة. {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ} [مريم: 8] أي: بطول زمان التعلق بالقالب.
{عِتِيّاً} [مريم: 8] أي: يبساً وجفافاً من غليان صفات النفس. {قَالَ كَذلك} [مريم: 9] أي: هكذا الأمر {قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [مريم: 9] لأني قادر على أن أحي الموتى، وأن أجعل من ازدواج الروح والقالب قلباً حيّاً يحيى بحياتي {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ} [مريم: 9] من لا شيء {وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: 9] لا روحانياً ولا جسمانياً {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} [مريم: 10] أهتدي بها إلى كيفية عمل القالب العاقر بالقلب الحي الذي يحيى في ذلك {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ} [مريم: 10] أي: لا تخاطب غير الله ولا تلتفت إلى ما سواه {ثَلاَثَ لَيَالٍ} [مريم: 10] وبها يشير إلى: مراتب ما سوى الله وهي ثلاث مراتب: الجمادات والحيوانات والروحانيات، فإذا تقرب إلى الله بعدم الالتفات إلى ما سواه يتقرب إليه بموهبة الغلام الذي هو القلب الحي بنوره، فافهم جدّاً.
قوله: {سَوِيّاً} [مريم: 10] أي: متمكناً في هذا الحال من غير تلون {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ} [مريم: 11] فخرج زكريا الروح من محراب هواه وطبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته. {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [مريم: 11] أي: كونوا متوجهين إلى الله معرضين عمَّا سواه {آنَآءِ الْلَّيْلِ} [طه: 130] {وَأَطْرَافَ النَّهَارِ} [طه: 130] ؛ بل بكرة الأزل وعشي الأبد.