قَالَ ابْنُ زَيْدٍ , فِي قَوْلِهِ: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} قَالَ:"لَوْ لَمْ يَجْعَلْهُمَا خِلْفَةً لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَعْمَلُ , لَوْ كَانَ الدَّهْرُ لَيْلًا كُلُّهُ كَيْفَ يَدْرِي أَحَدٌ كَيْفَ يَصُومُ , أَوْ كَانَ الدَّهْرُ نَهَارًا كُلُّهُ كَيْفَ يَدْرِي أَحَدٌ كَيْفَ يُصَلِّي."
قَالَ: وَالْخِلْفَةُ: مُخْتَلِفَانِ , يَذْهَبُ هَذَا وَيَأْتِي هَذَا , جَعَلَهُمَا اللَّهُ خِلْفَةً لِلْعِبَادِ , وَقَرَأَ {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شَكُورًا} ". وَالْخِلْفَةُ: مَصْدَرٌ , فَلِذَلِكَ وُحِّدَتْ , وَهِيَ خَبَرٌ عَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ وَالْعَرَبُ تَقُولُ: خِلْفُ هَذَا مِنْ كَذَا خِلْفَةً , وَذَلِكَ إِذَا جَاءَ شَيْءٌ مَكَانَ شَيْءٍ ذَهَبَ قَبْلَهُ , كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:"
[البحر المديد]
وَلَهَا بِالْمَاطَرُونِ إِذَا ... أَكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَعَا
خِلْفَةٌ حَتَّى إِذَا ارْتَبَعَتْ ... سَكَنَتْ مِنْ جِلَّقٍ بِيَعَا
وَكَمَا قَالَ زُهَيْرٌ:
[البحر الطويل]
بِهَا الْعِينُ وَالْآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ... وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: يَمْشِينَ خِلْفَةً: تَذْهَبُ مِنْهَا طَائِفَةٌ , وَتُخَلَّفُ مَكَانَهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى.
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنَّ زُهَيْرًا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: خِلْفَةً: مُخْتَلِفَاتِ الْأَلْوَانِ , وَأَنَّهَا ضُرُوبٌ فِي أَلْوَانُهَا وَهَيْئَاتِهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهَا تَذْهَبُ فِي مَشْيِهَا كَذَا , وَتَجِيءُ كَذَا.
وَقَوْلُهُ {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ , وَخُلُوفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ حُجَّةً وَآيَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ أَمَرَ اللَّهِ , فَيُنِيبُ إِلَى الْحَقِّ {أَوْ أَرَادَ شَكُورًا} أَوْ أَرَادَ شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {يَذَّكَّرَ} فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: {يَذَّكَّرَ} مُشَدَّدَةً , بِمَعْنَى يَتَذَكَّرُ.
وَقَرَأَهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: (يَذْكُرَ) مُخَفَّفَةً؛ وَقَدْ يَكُونُ التَّشْدِيدُ وَالتَّخْفِيفُ فِي مِثْلِ هَذَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. يُقَالُ: ذَكَرْتُ حَاجَةَ فُلَانٍ وَتَذَكَّرْتُهَا. وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ. الصَّوَابَ فِيهِمَا. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 17/}